محمد أبو زهرة

2074

زهرة التفاسير

وقد يقال : إن الإيمان بالرسل مقدم على طلب إقامة الصلاة ، وطلب إيتاء الزكاة ، فلما ذا أخر في الذكر عنه ؟ وإن الجواب عن ذلك : أن الميثاق مفروض أنه بعد الإذعان لرسالة موسى عليه السلام ، فكان أخذه ثمرة من ثمرات تلك الرسالة ، فهناك إيمان ضمني مقدر في ثنايا القول ، وإن لم يكن مذكورا ، وإن الإيمان بالرسل المذكور من بعد هو الإيمان بالرسل الذين يجيئون من بعد موسى ، كعيسى ومحمد صلى الله تعالى عليهما وسلم ، حتى لا يحسبوا أن الرسالة مقصورة على موسى ، وأنهم لا يؤمنون إلا بها ، وأن يقولوا : أن غيرهم ليسوا على شئ فإن فعلوا يكونوا بذلك قد نقضوا الميثاق الذي واثقهم الله تعالى . والركن الرابع من أركان ذلك الميثاق القدسي : عبر الله تعالى عنه بقوله تعالى : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي قويتموهم ونصرتموهم ، فذلك فتح باب الجهاد الواجب لنصرة الرسل ، ونصرة الحق دائما ، فالتعزير هو النصر ، ويطلق على العقاب المانع من الضرر ، ويقول صاحب المفردات : إنها من باب واحد ، فيقول في ذلك : التعزير النصرة مع التعظيم قال تعالى : . . . وَتُعَزِّرُوهُ . . . ( 9 ) [ الفتح ] وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ، والتعزير ضرب دون الحد ، وذلك يرجع للأول ، فإن ذلك تأديب ، والتأديب نصرة ، لكن الأول نصرة بقمع ما يضره بالدفاع عنه ، والثاني نصرة بقمعه عما يضره ، فمن قمعته ، فقد نصرته ، وعلى هذا الوجه قال صلى الله عليه وسلم : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، قال قائل : أنصره مظلوما ، فكيف أنصره ظالما ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « كفه عن الظلم » « 1 » . والخلاصة ، أن التعزير في الآية النصرة مع التوقير والتعظيم ، وعدم التهجم عليهم أو الاستهزاء بهم أو السخرية منهم .

--> ( 1 ) عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : « تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره » رواه البخاري : الإكراه - يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه ( 6952 ) ، وأحمد : مسند أنس ( 11538 ) كما رواه بلفظ : « تكفه عن الظلم » الترمذي : الفتن ( 2255 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .