محمد أبو زهرة

2071

زهرة التفاسير

المكارم والمعارف والصدق والأمانة ؛ إذ إن هذه الصفات هي أسس السيادة على الناس ، والسيادة بغير ذلك تكون نوعا من العلو والجبروت ، ولا تكون نقابة سامية . ومؤدى القول أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق بالطاعة ، والإذعان بما أمرهم به ، وبأنه كان في سبط من أسباطهم الاثني عشر نقيب له عليهم فضل النقابة والشرف يدعوهم إلى تنفيذ ميثاق الله تعالى ، والقيام على عهده ، وكان ذلك لأن بني إسرائيل توالت عليهم القرون ، وهم في حكم فرعون وقهره ، وقد استمر العذاب والهوان ، وانحلت إرادتهم وعزائمهم ، وأصبحوا لا يؤمنون بفضيلة ولا عقيدة ، فكان لا بد من مذكر مستمر من بينهم ، ومحرض دائم منهم ، ومثل من بينهم تكون عيانا مستمسكة بالخلق والدين ، حتى تتربى إرادتهم ، وتقوى عزائمهم ، ألم تر أنهم مع إنقاذ الله تعالى لهم على يد موسى عليه السلام ، وفلق البحر لهم حتى صار كل فرق كالطود العظيم ، ومع توالى البينات الشاهدة المثبتة للرسالة والوحدانية قالوا لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فالحس قد استولى عليهم ، والمادية قد استغرقتهم ؛ لذلك كان مع ميثاق الله تعالى الذي واثقهم به النقباء الذين كانوا فيهم مع الرسول موسى عليه السلام ، وأخيه هارون الذي شد أزره في رسالته . وفي النص الكريم إشارتان بيانيتان : إحداهما : أن الله تعالى نسب الميثاق إليه جل جلاله بلفظ الجلالة لزيادة توثيقه ، ولعظيم توكيده ، ثم التفت بنسبته بعث النقباء إليه من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم العظيم ؛ لبيان عظم مقام النقباء ، فإسناد بعثهم إليه سبحانه هو الذي بينهم وهو الذي كونهم . والإشارة الثانية يتضمنها قوله تعالى : وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ وهنا كان الالتفات إلى لفظ الحاضر مرة ثانية ، وذكر معية الله تعالى تفيد أمرين ، أولهما : أن الله تعالى يعلم حالهم من طاعة أو عصيان علم المصاحب لهم ، فإنه لا يخفى عليه أمرهم ، وإنه محاسبهم على تنفيذ العهد والميثاق ، وإنه سبحانه وتعالى يجزى