محمد أبو زهرة

2065

زهرة التفاسير

القلب قد شاه وفسد ، فلا يرى الحقائق ويكذب بها ، كما أن العين إذا شاهت وعشيت أصبحت لا ترى النور المبصر ، وإن عم صاحبها ، وإن التكذيب بالمعجزات أكبر ما يكون عن فساد في الإدراك ، إذ يكون لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، وكان التكذيب جرما عظيما ؛ لأنه تكذيب بآيات الله تعالى التي كانت للدلالة على الرسالة ، والإذعان للحق ، فلم يفعلوا ، وكان الجزاء ما عبر عنه سبحانه بقوله تعالى : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . أي أولئك الذين كان منهم الكفر والجحود ثم التكذيب للآيات ، وقد جاءت معلمة واضحة بسبب ذلك كانوا الملازمين للجحيم ، أي النار المتأججة الشديدة اللهب التي تشوى الأجسام والوجوه شيا ، فمعنى أصحاب الجحيم : الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه الذي لا يفترق عنه ، وكلاهما جدير بصاحبه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) هذا متصل بالأمر بالعدالة مع الأعداء كالعدل مع الأولياء ، ففي هذا النص أمر بالتذكير بحال ضعفهم عندما كانوا يلتمسون العدالة ، ليعتبروا بماضيهم ، ويتخذوا منه عبرة لحاضرهم ، فيتذكروا حال الضعف في حال القوة ، ليعلموا نعمة الله تعالى عليهم ، ولكي يعدلوا مع غيرهم كما كانوا يلتمسون العدل إذ كانوا مظلومين يتخطفهم الناس ، وينزل بهم البأس . فالآية تدعو إلى التذكير بنعمة الله ليشكروها ، ولكيلا يشتطوا مع غيرهم ، وبسط اليد معناه بالقوة والأخذ والسيطرة والصولة ، وقد قال تعالى : . . . وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ . . . ( 2 ) [ الممتحنة ] فالبسط هنا بسط للصولة والقوة ، والسيطرة ، ومعنى النص الكريم : يا أيها الذين أذعنوا للحق واستمسكوا به ، واستجابوا لأمر ربهم تذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم إذ هم قوم أن يمتدوا بيد الأذى ويبسطوها ، فكفها عنكم وبدلكم من بعد الضعف قوة ،