محمد أبو زهرة

2064

زهرة التفاسير

وتثبيت للمعرفة ، والوعد الذي وعد الله تعالى به يتكون من أمرين عظيمين : أحدهما مغفرة عظيمة ، والثاني أجر عظيم ، أما المغفرة فمعناها : ستر الذنوب وإخفاءها ، وإخفاء الذنوب من الله تعالى معناه ألا يقيم لها وزنا ويعفو عنها ويكفر السيئات ولا يجازى عليها ، وأما إخفاؤها في الدنيا ، فذلك لأن العمل الصالح يلقى في النفس نورا فيذهب أعتامها ؛ إذ إن المرء إذا ارتكب سيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا استمرت السيئات ولم يكن ثمة عمل صالح ، تكاثرت النكت السوداء حتى يربد القلب ويسود ، وإن كان العمل الصالح أشرق النور فاختفت السيئات ، وهذا معنى قوله تعالى : . . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . . ( 114 ) [ هود ] . ونكرت كلمة « مَغْفِرَةٌ » للدلالة على عظمتها ، وأنها مغفرة عظيمة لا تحيط بها المدارك البشرية . هذا هو الأمر الأول ، أما الأمر الثاني : فهو الأجر العظيم ، وهو الثواب ، وسماه الله تعالى أجرا ، أي أنه استحقاق على عمل صالح ، وذلك كان من الله تكرما وفضلا ، فكل شئ بفضل الله تعالى ، وهو ذو الفضل العظيم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ بعد أن ذكر سبحانه جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر سبحانه الذين كفروا وكذبوا بآيات الله تعالى ، وهذا النص الكريم يشتمل على وصف الذين لم يؤمنوا ، وجزائهم . وإن أولئك الذين لم يؤمنوا يتصفون بوصفين : أولهما : الكفر ، وثانيهما : تكذيب آيات الله تعالى القائمة حجة على رسالة الرسول الذي أرسل إليهم ، وقد ذكر الكفر سابقا على تكذيب الآيات مع أن الظاهر أن الكفر نتيجة لهذا التكذيب ؛ وذلك لأن الكفر هنا معناه : جحود القلب ، وطمس معالم الإدراك فقلوبهم غلف ، قد غطيت عنها الحقائق ، وغاب عنها الفهم الصحيح ، والإنكار يكون مرتكزا في النفس ، فلا تذعن ولا تصدق ، وإذا كانت النفوس على هذا النحو ، فإنه يكون التكذيب لكل ما تدل عليه الآيات الحسية ، والمعجزات القطعية ؛ لأن