محمد أبو زهرة
2062
زهرة التفاسير
بناء الجماعات الإنسانية ، وأنها ميثاق الله تعالى واثق به عباده ، فوعدهم بالثواب عليه ، وتعهدوا موثقين العهد بالسمع والطاعة ، والاستجابة لما كلفوا القيام به ، ثم بين سبحانه وتعالى أن أساس العلاقات الإنسانية العامة العدالة ، وليس الحب والبغض : فإنهما يسيران أحيانا وراء الهوى ، والهوى فساد ، والعدالة صلاح ، وهي التقوى ، وما يقرب إليها ويدنى منها ، وفي الآية الآتية وما يليها بين سبحانه جزاء المهتدين ، وعقاب الكافرين ، وهو الوعد الذي وعد به عباده ، ويبين سبحانه أنه لا يصح أن تؤدى قوة أهل الإيمان إلى ترك العدل ، وذكرهم سبحانه بحالهم أيام كانوا مستضعفين في الأرض ، وهم المشركون أن يبسطوا أيديهم بالأذى فكفها سبحانه وتعالى عنهم ، فقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ هذا هو الوعد الذي وعد الله تعالى به عباده المؤمنين ، وهو الذي واثقكم به من جانبه ، جل جلاله ، في نظير السمع والطاعة والاستجابة لما أمر الله تعالى به ونهى عنه . وإن ذلك الوعد إنما يستحقه الذين قاموا بما ألزمهم به الميثاق ، وهو الإيمان والطاعة ، إذ قالوا سمعنا وأطعنا ، وقد عبر الله تعالى عن السمع والاستجابة للسماع والإنصات للأدلة والإذعان لها بالإيمان ، فالإيمان : هو العماد الذي يقوم عليه الميثاق الذي التزمه المؤمنون ، والطاعة لأوامر الله تعالى ونواهيه هي التي عبر الله تعالى عنها بقوله تعالى : وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وما من مقام ذكر فيه المؤمنون بالمدح إلا اقترن به قيامهم بالعمل الصالح ؛ لأن العمل الصالح ثمرته ، ومثل الإيمان من غير عمل صالح يقدمه المؤمن كمثل شجرة جرداء لا تثمر ثمرا ولا تظل مستظلا ، والأكثرون من العلماء على أن الإيمان ناقص إذا لم يصحبه عمل ؛ لأن الإيمان يزيد وينقص عند كثيرين ويزيد ولا ينقص عند آخرين ، وعند هؤلاء يكون الإيمان من غير عمل إيمانا غير كامل .