محمد أبو زهرة
2060
زهرة التفاسير
أَلَّا تَعْدِلُوا والمعنى : اعدلوا ، فالعدل أقرب للتقوى ، وفي النص انتقال من النهى إلى الأمر ، ففي النص الأول نهى عن أن يحملهم البغض على عدم العدل ، وفي هذا النص أمر بالعدل ، ولا شك أن النص الأول يتضمن الأمر بالعدل ؛ لأن النهى عن الشئ أمر بنقيضه ، فالنهي عن الظلم أمر بالعدل ، فكان ثمة تكرار مؤكد ، وكان مع التكرار فائدة وهي طلب معالجة النفس ، ومحاولة ترويضها على العدل ، فإن قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فيه أمر بعلاج النفس ، وحملها على البقاء في دائرة الاعتدال ، وتقوية للإرادة ، حتى لا يستولى عليها الغضب ، فتجمح وفي الجموح سير وراء شيطان الغضب ، ووراء ذلك منع الحقوق ، والظلم . وقوله تعالى : هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى فيه بيان قرب العدالة من التقوى ، مع أن العدل من صميم التقوى ، فلما ذا عبر بالقرب من العدالة مع أن الشديد ؟ والجواب عن ذلك أن قلب المؤمن في معاملته مع غير المؤمن قد تعتريه حال يرى فيه أن من التقوى ألا يعطيه حقه ؛ لأنه في ميدان القتال يستبيح ماله ويستبيح دمه ، فيظن حال السلم كحال الحرب ، ويظن ذلك قريبا من التقوى ، فبين له القرآن الكريم أن القرب من التقوى أن يحسن معاملته ، وأن يعطى كل ذي حق حقه ، فذلك دفعا للخاطر بمثله ، أو بما يقرب إليه المعنى في التعبير ، ولأن كمال التقوى بعيد المنال ، وأنها إذا كانت مطلوبة ، فإن الله يعفو عن كمالها ، ويكتفى منا بقربها ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه ، ولكن سددوا وقاربوا » « 1 » فالله جل جلاله غفور رحيم يطلب منا المقاربة بعد أن نسدد ونقارب ولقد طلب سبحانه منا أن نسدد ، فقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أمرنا الله تعالى بالتقوى في كل الأمور في ذات أنفسنا بأن نراقب الله في كل عمل نعمله ، فلا نعمل إلا طيبا ، ولا نقول إلا طيبا ، ولا نأكل إلا طيبا ، ونخشى الله حق خشيته ، ونقوم بعبادته
--> ( 1 ) سبق تخريجه ، وهو صحيح رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .