محمد أبو زهرة
2059
زهرة التفاسير
شنآن قوم ألا تعدلوا ، والشنآن : البغض الشديد مصدر شنأه بمعنى أبغضه ، والمعنى لا يحملنكم البغض الشديد لقوم على ألا تعدلوا معهم ، بل أعطوهم حقوقهم ، ومكنوهم مما يستحقون ، وفي صدر هذه السورة يقول سبحانه : . . . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا . . . ( 2 ) [ المائدة ] والمعنى هناك : أنه لا يصح أن يحمل البغض بسبب الصد عن المسجد الحرام على الاعتداء ، ففيها أمر بعدم الاعتداء - أما هنا ، فإن فيها أمرا بالعدالة حتى مع الأعداء ، فالعدالة نظام هذا الوجود الإنسانى ، وبجمع الآيتين ، يكون المعنى المقرب لمراد الله سبحانه أنه لا يصح أن يكون البغض الشديد حاملا على الاعتداء ، ولا أن يكون البغض الشديد حاملا على منع الحقوق ، بل يعطى كل ذي حق حقه ، ولو كان عدوا مبينا ، فالحق ليس منحة من شخص لشخص يسلبه إن أبغض ، ويعطيه إن أحب ، بل إن التكمين منه واجب مقدس أمر الله سبحانه وتعالى به ، وحث عليه ، وقد روى في الحديث القدسي : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا » « 1 » . ولا ينتظم الوجود الإنسانى بغير العدل ، وقد روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو » « 2 » ومعنى هذا الحديث : أنه لا يصح أن يظلم غير المسلم الذي يعيش مع المسلمين ، والدولة إذا ظلمت رعاياها من غير المسلمين لا تكون دولة الإسلام بل تكون دولة الأعداء . وازنوا بين حكم الإسلام وحكم الأقوياء في هذا الزمان الذين يستبيحون كل شئ من غير حريجة من أخلاق أو دين . اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى الضمير في قوله « هو » يعود إلى العدل الذي تضمنه قوله تعالى : اعْدِلُوا وقوله تعالى من قبل : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى
--> ( 1 ) جزء من حديث قدسي طويل سبق تخريجه من رواية مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه . ( 2 ) عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو ، وإذا كثر الزنا كثر السبأ ، وإذا كثر اللوطية رفع الله - عزّ وجل - يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا » . رواه الطبراني .