محمد أبو زهرة

2058

زهرة التفاسير

أحدهما : أن يعمل الشخص على إتقان ما يعمل والمبالغة ، فإن كان عبادة أتى بها على أكمل وجوهها ، فالصلاة تكون كاملة ، وكذلك الصوم . . . إلخ . وهذا يشمل ما يعمله الإنسان في الحياة ، سواء أكان عبادة أم كان أمرا من أمور الدنيا ، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه » « 1 » . وثانيهما : أن يكون ذلك لله ، بأن يكون أصل العمل لله ، وأن يكون إتقانه لله تعالى ، فيتجه في كل الأعمال إلى الله تعالى ، فالعامل في المصنع يعمل لله إن قصد بذلك نفع عباده ، والتاجر كذلك ، وإذا قصد بأعماله وجه الله ، وما فيها من خير للعموم كان في عبادة مستمرة ، وليست العبادة مقصورة على الصلاة والصوم والحج ، بل كل عبادة إذا قصد بها وجه الله تعالى ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم ، حتى يحب الشئ لا يحبه إلا لله » « 2 » . الثالثة : في قوله تعالى شُهَداءَ بِالْقِسْطِ فإن شهداء تدل على الحضور ، وعلى الإثبات وأداء الشهادة ، وعلى الحكم وهي في النص الكريم تشمل كل هذا ، فالمعنى : لا يحكمون إلا بالقسط أي العدل ، ولا يشهدون إلا بالعدل ولا يشهدون الزور ، ولا يحضرون ، إلا ما يكون قسطا وعدلا ، وما يكون قسطاسا مستقيما لا تحيف فيه ولا انحراف ، والمؤدى أن يكون حضورهم في القسط ، ونطقهم بالقسط ، وحكمهم بالقسط ، وعملهم بالقسط ، فلا يكون إلا للخير ، وفي سبيل الخير دائما . وعبر بالقسط ، لأنه شامل للخير كله ، ولأن العدل ميزان الخير ، ولذا قال من بعد : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا . الجرم في أصل معناه اللغوي : القطع ، فيقال جرم الثمار أي قطعها ، ثم أطلق على الكسب ، وغلب على الكسب الآثم ، ومنه أجرم بمعنى ارتكب إثما ، لأنه كسبه ، وقد يتضمن معنى الحمل مع اشتماله على معنى الكسب الآثم ، وهذا هو القريب من المعنى هنا ، فمعنى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ لا يحملنكم حملا آثما

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريج ما في معناه من حديث صحيح .