محمد أبو زهرة

2056

زهرة التفاسير

ذلك قول ابن عباس وهو أن معناه : واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله تعالى عليكم التي أنعمها بهدايته للإسلام ، وميثاقه الذي واثقكم به ، يعنى وعهده الذي عاهدكم به ، حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له في المنشط والمكره ، والعسر واليسر إذ قلتم : سمعنا ما قلت لنا ، وأخذت علينا من المواثيق ، وأطعناك فيما أمرتنا به ، ونهيتنا عنه » . . . إلخ . وكان التذكير بهذين الأمرين ليقوم المؤمنون بحقهما ، فيما يتعلق بمعاملة الغير ، وفي علاقتهم بالناس من حيث إقامة العدالة لذات الله تعالى لا يريدون إلا وجهه الكريم ، وليكون القسط والميزان أساس أعمالهم . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بنعمه عليهم وميثاقه الذي واثقهم عليه ، على أساس السمع والطاعة ، طلب إليهم أمرا آخر هو أساس الاستجابة للميثاق ، وهو تقوى الله تعالى بأن يستشعروا دائما عظمته ، ويتخذوا وقاية لأنفسهم من معصية الله تعالى ، فإن التقوى هي أساس الطاعة ، وهي لب الاستجابة لما جاء في ميثاق الله تعالى ، وهو أعلى ميثاق في الوجود ، لا ميثاق يدانيه إلا إذا كان مشتقا منه ، بأن يكون أساسه السمع والطاعة لله في المنشط والمكره ، وفي العسر واليسر ، وإن التقوى لله موضعها القلوب ، وهي التي تحرك الجوارح ، فلا طاعة إلا إذا انبعثت من القلب عن طواعية ورضا واطمئنان ؛ ولذا قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وتكرار ذكر الله تعالى لإشعار المؤمنين برقابته ، وإلى أنه فوقهم ومطلع عليهم ، ومراقبتهم بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى ، والله تعالى عليم علما لا يدرك كنهه بكل شئ بما تخفيه وما تكنه الأفئدة . وذات الصدور هي : الأمور الملازمة للصدور التي تخفيها ولا تظهرها ، فهي بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه يلازمه ولا يبعد عنه ، ولا ينكشف . فهي من ناحية أنها لا تخرج من الصدر تعد مصاحبته ، ويعبر عنها بذات الصدر ، كما يقال : فلان ذو مال . أي ملازم له .