محمد أبو زهرة

2028

زهرة التفاسير

والميتة : الحيوان الذي يموت ، وكلمة « الْمَيْتَةُ » وصف والموصوف هو الجثة ، فإن كل جثة لا تجرى فيها الحياة تكون ميتة ، والمراد من الميتة هنا ما يموت من غير فعل فاعل ، والميتة غالبا تكون مستقذرة في ذاتها تعافها النفس وينفر منها الطبع ، وهي رجس قذر ، يكون فيه تعفن ، أو على الأقل يسارع إليه التعفن ، وهي فوق أنها خبث يكون في الغالب سببه مرضا قد اعترى جسمه ، وقد يكون بجرثومة تبقى بعد الموت أمدا غير قصير ، ولأن الميتة يكون دمها فيها وقد فسد ؛ ولذلك كله حرمت ، فهي قذارة وفيها ضرر كبير . والدم الذي جاء النص الكريم بتحريمه هو الدم المسفوح ، الذي نص عليه في قوله تعالى في سورة الأنعام : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . . ( 145 ) [ الأنعام ] والمراد بالمسفوح : الذي يسفح ويراق من الحيوان ، وإن غلظ وتماسك من بعد ذلك ، فالدم الذي يكون جامدا بأصل خلقته وتكوينه كالكبد والطحال يكون حلالا ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أحلت لنا ميتتان حلالان : ودمان حلالان الكبد والطحال ، والسمك والجراد » « 1 » . وكان تحريم الدم لأنه ضار ، إذ إنه يعسر هضمه ، وسريع التعفن ، ويحمل كثيرا من جراثيم الأمراض ، ولا يمكن تنقيته من هذه الجراثيم كاللبن إذ يغلى . وإن دم الحيوان السليم قد ينقل إلى الإنسان محفوظا مصونا من غير أن يتعرض للهواء فيزيده قوة أو يعوضه عما فقده ، ولكنه لا يمكن أن يكون غذاء يتناول بالفم ، ويمر على الجهاز الهضمى ، إذ إنه لا يكون قابلا للتمثيل في الجسم فوق ما يسرى إليه من جراثيم تفسده وأن النفس الفطرية تعافه .

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة : الأطعمة - الكبد والطحال ( 3314 ) ، وأحمد : مسند المكثرين من الصحابة ( 5690 ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أحلت لنا ميتتان ودمان ؛ فأما الميتتان فالحوت والجراد ، وأما الدمان فالكبد والطحال » .