محمد أبو زهرة
1711
زهرة التفاسير
أَ لَمْ تَرَ ، هذا تعبير قرآني فيه استفهام دخل على النفي ، وهو استفهام إنكاري يتضمن معنى النفي ، فهو نفى داخل نفى . ومؤدى الكلام : قد نظرت إلى الذين يزكون أنفسهم متعجبا من حالهم مستغربا أمرهم . ورأى هنا معناه نظر ، ولذلك تعدت ب « إلى » . وتزكية النفس تطلق بمعنى تطهيرها وإبعادها عن دنس المعصية ، وقد تطلق على الفعل المحمود . والمراد هنا أنهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة ، وليسوا بمستحقيها ، وقد يدعون أنهم يطهرون أنفسهم ، ويبعدونها عن الدنس في نظرهم ، وليسوا كذلك . وأصل التزكية كما ترى من زكاء النفس جاء في مفردات الراغب : ( زكاء النفس طهارتها ، يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة ، وفي الآخرة الأجر والمثوبة ، وهو بأن يتحرى الإنسان ما فيه تطهيره ، وذلك ينسب تارة إلى العبد لكونه مكتسبا لذلك ، نحو قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) [ الشمس ] وتارة ينسب إليه تعالى لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ . وتزكية اليهود والنصارى لأنفسهم تحتمل أمرين : أولهما : أنهم يصفون أنفسهم بالطهارة والتقوى ، وتحرى ما يربى التقوى في النفس ، ويستطيلون على الناس بذلك . والأمر الثاني : أن يدعوا أنهم بأعمالهم واتخاذهم ما هم عليه مذهبا يطهر النفس ، أي يدعون أنهم يسلكون سبيل الهداية وتطهير النفس . والأمر الأول هو الذي عليه جمهور المفسرين ، وهو أوضح ويتفق مع المأثور من أسباب النزول ، فقد تضافرت المرويات عن التابعين على أنهم كانوا يدعون أنهم المغفور لهم دائما . وقال الضحاك والسدى إنهم كانوا يقولون : ( لا ذنوب لنا ، وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا . وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال ) . وقد رد الله تعالى ذلك بقوله : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . على تفسير تزكيتهم أنفسهم بمعنى أنهم يدعون أنهم بأفعالهم يطهرونها ، يكون المعنى أن الله تعالى رد عليهم ادعاءهم أن ما هم عليه تطهير لأنفسهم . فبين أن الله تعالى هو الذي يطهر النفوس ويزكيها ؛ لأنه هو الذي يبين طريق الهداية ،