محمد أبو زهرة
2021
زهرة التفاسير
قيل هو ما قرره الزمخشري وهو : أن النهى عن إحلال القلائد هو النهى عن إحلال الهدى الذي حمل القلادة ، وكان ذكرها بعد ذكر الهدى عامة من قبيل ذكر الخاص بعد العام ، وكان المعنى لا تحلوا الهدى ، ولا تحلوا القلائد بشكل خاص ، وذلك لأن إحلال الهدى الذي أشعر وأعلم بالقلادة يكون أشد نهيا ، إذ إنه اعتداء على ما أعلن بالحس أنه خصص للبيت الحرام ، ولم يكتف بالنية وحدها ، فما خصص بالنية قد يخفى ، وما خصص بالحس لا يخفى ، وذكر الزمخشري وجها آخر ، وهو أن النهى عن إحلال ذات القلائد ، وإذا كانت القلائد لا يحل الاعتداء عليها فأولى بذلك الحيوان الذي يحمل شعارها ، ومهما يكن من التخريجين فالنهي ثابت عن إحلال الهدى وشعاره . وإن سوق الهدى وذبحه من مناسك الحج وفيه توسعة على سكان البيت الحرام ، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) [ إبراهيم ] . ولكن هل يغنى عن الهدى وذبحه في منى ما يقوم به من نقود ؟ لقد أجمع الفقهاء على أنه لا تغنى قيمته عنه ، ما دام يستطيع الرجل أن يهدى . وقد جعل الله تعالى الصيام بدل الهدى لمن لا يجد ، فقال تعالى : . . . فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ . . . ( 196 ) [ البقرة ] . ولقد ثارت مناقشات حول استبدال الذبح بقيمة الهدى ، لأن الناس لا يأكلون كل ما يذبح فيتلف ، ووراء ذلك فشو الأوبئة ونحوها ، وهذا فوق ما تنشره الدماء من أدواء . ونقول في الجواب عن ذلك : إن هذا من ضيق عقل الإنسان ، لا من شريعة الديان ، والقرآن أمر بالذبح ، ولم يقل أحد من الصحابة أو من جاء بعدهم : إن قيمة الهدى تغنى عنه ، وكان يجب أن يفكر المفكرون في الانتفاع باللحم والدم من