محمد أبو زهرة

2019

زهرة التفاسير

الحرام والهدى والقلائد ، والذين يقصدون البيت . وقد ابتدأ بأولها ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ . . . النداء لأهل الإيمان الصادقين في إيمانهم الذين يعملون بما يأمر ، وينتهون عما ينهى ، وتصدير الكلام بهذا النداء لبيان ما كان محرما في الحج وما يدعو الإسلام إلى الاستجابة إليه من مقتضيات ، والإحلال معناه أن يخالف أمر الله تعالى فما يكون حراما منهيا عنه في الحج يفعله ويستحله ، وما يكون مأمورا به لا يستجيب له ، وشعائر الله تعالى في هذا المقام المراد بها مناسك الحج ، وما حرمه فيه من ثياب في أثناء الإحرام ، وما أمر به من أمور فيه من السعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت الحرام ، والوقوف بعرفة ، ورمى الجمار وسائر الأفعال ، فإن هذه كلها شعائر لله تعالى ، كما قال تعالى : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ( 32 ) [ الحج ] . وكما قال تعالى في بعض هذه المناسك : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ . . . ( 158 ) [ البقرة ] . وسميت أعمال الحج شعائر ، وهي جمع شعيرة ، كما سميت مشاعر جمع مشعر ، وهي أمور معلمة محسوسة مرئية ، تدل على اتجاه القلوب إليه سبحانه وتعالى ، فكان الإحرام مقترنا بمظهر حسى وهو ألا يلبس مخيطا ، وأن يجهر بالتلبية ، وكان الطواف وهو عمل حسى يدل على الاتجاه إلى ضيافة الرحمن ، والإقامة بجوار بيته العتيق - أول بيت وضع - وفي ذلك اتصال دائم بين الرسالة الإلهية ؛ إذ إن الذي بناه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، فكان الطواف به رمز الوحدة في الرسالة الإلهية ، وأن آخرها متصل بأولها ، وأنها سلسلة متصلة الحلقات تتم كل واحدة جزءا حتى أوفت على الغاية برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وكذلك السعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة في المشهد الإسلامي الأكبر ، ورمى الجمار ، كما فعل إبراهيم عليه السلام من قبل ، وذلك مظهر للتطهر التام ، والخروج من وسوسة الشيطان ، ورميه والإعراض عنه .