محمد أبو زهرة

2009

زهرة التفاسير

يفعل اليهود من نقض للمواثيق المؤكدة ، وإن الأصل اللغوي لمعنى كلمة عقد أنه ربط لطرفى شئ ، ومنه العقدة ، وقد أطلق على الربط بين كلامين كالعقود القائمة ، وأطلقه القرآن كما في هذا النص على كل الأحكام الواجبة الطاعة لها ؛ لأنها تشمل معنى الربط ؛ لأن المؤمن بمقتضى إيمانه قد عاهد الله تعالى على طاعته ، والأخذ بكل ما يأمر به ، وبكل ما ينهى عنه ، وقد جمع الراغب الأصفهاني معنى كلمة عقد فقال : « العقد : الجمع بين أطراف الشئ ، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل ، وعقد البناء ، ثم يستعار للمعاني فيقال نحو عقد البيع والعهد وغيرهما ، يقال : عاقدته ، وعقدته ، وتعاقدنا ، وعقدت يمينه . . . » . والعقد على هذا : كل ارتباط يرتبط به المؤمن بموجب النقل أو بموجب العقل ، وهو ما يدركه بالبديهة وأدنى نظر ، سواء أكان بينه وبين نفسه بمقتضى إيمانه وخلقه وإنسانيته ، أم كان بينه وبين غيره ، وكل هذا واجب الوفاء بحكم الله تعالى ، فأوامر الله تعالى ونواهيه واجبة الوفاء ، وعقود الإنسان مع غيره واجبة الوفاء إلا أن يكون فيها مخالفة لأمر الله تعالى ونهيه ، فكل اتفاق على خلاف ذلك رد على صاحبه ، ولا وفاء فيه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا » « 1 » ولقوله صلى الله عليه وسلم : « كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، ولو كان مائة شرط » « 2 » ولأن تنفيذ العقود التي تتضمن خلاف ما جاء عليه الشرع يكون تنفيذها نقضا لعهد المؤمن الذي يجب تنفيذه ، وهو طاعة

--> ( 1 ) ذكره البخاري تعليقا : الإجارة - أجر السمسرة بلفظ : « المسلمون عند شروطهم " وأخرجه الترمذي : الأحكام - في الصلح ( 1352 ) عن عمرو بن عوف المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما » قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . ( 2 ) ذكره البخاري تعليقا : باب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله ، ورواه ابن ماجة : الأحكام - باب المكاتب ( 2521 ) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، كما رواه أحمد بلفظ مقارب : مسند الأنصار - باقي المسند السابق ( 25258 ) عن عائشة رضي الله عنها .