محمد أبو زهرة
2007
زهرة التفاسير
لأوامر الله تعالى ، وفساد للنفوس ، بعد هذا أخذ يبين سبحانه إباحة الطيبات ، وأنه لا يصح تحريمها على النفس ، وأن من يحرمها على نفسه بيمين فليحنث وليكفر ، وتكفير اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، فمن لم يجد شيئا من هذا فليصم ثلاثة أيام . وإذا كان الله تعالى أباح الطيبات ، فقد حرم الخبائث ، وأول الخبائث الخمر والميسر ، وإن الخمر أم الخبائث ، وأم الجرائم ، وإنه ليس على المؤمنين إثم فيما يتناولون من طيبات إنما الإثم فيما يتناولون من خبائث . وقد بين سبحانه أن من الطيبات ما يحرم في بعض الأوقات ، لا لذاته ، بل للمكان الذي يكون فيه ، والحال التي يكون فيها ، فحرم الصيد في البيت الحرام للمحرمين ، وأن المنع مقصور على صيد البر ، ولا يشمل صيد البحر ؛ وإن ذلك لمكانة البيت ، ولمكانة الإحرام ، وقد ذكر سبحانه وتعالى مقام البيت ومكانته . وأن الخبيث من الأشياء ومن الأشخاص لا يستوى مع الطيب ، وندد سبحانه بالذين يحرمون بعض الطيبات على أنفسهم لأوهام توهموها ، وأفكار جاهلية اعتنقوها . وأن الذي يقوم بالواجب ويبين الخير ويدعو إليه لا يكون مسؤولا عمن يضل من بعد . وفي وسط أحكام الحلال والحرام أخذت السورة تبين سببا من أسباب الملكية ، وهو الوصية في السفر ، وطريق إثباتها . بعد ذلك أخذ يبين الضلال الذي وقع فيه الذين ادعوا المسيحية وهو ألوهية المسيح ، مع ذكر معجزاته عليه السلام ، ومنها أنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وأنه أخرج الموتى بإذن الله تعالى ، وأنه نزلت عليه المائدة من السماء . ومع هذه المعجزات الباهرة كفر به من كفر ، وشهد الحواريون بأنه رسول من عند الله ، وغالى غيرهم فزعموا أنه وأمه إلهان ، ومنهم من زاد غيرهما .