محمد أبو زهرة

2005

زهرة التفاسير

حار في مواراة جثة أخيه ، حتى تعلمها من غراب أخذ يبحث في الأرض ليوارى جثة غراب مثله . وإذا كان الحسد حتى في العبادات يؤدى إلى القتل ؛ فلذلك شرعت عقوبة القصاص ، كما ذكر النص القرآني في هذه السورة الجامعة . وإذا كان الحقد البشرى في الجماعات هو الذي يؤدى إلى أشد الجرائم فتكا بها ، فقد ذكر سبحانه عقوبات شديدة تناسب الجرائم العنيفة الشديدة ، فذكر سبحانه عقوبة الذين يحاربون النظام ، وينقضون على الشرع ويزعجون الآمنين ، ويقطعون الطريق على السابلة « 1 » ، وقد ذكر سبحانه وتعالى - بعد ذكر عقوبة قطع الطريق المغلظة بطبيعتها - ذكر سبحانه أن طلب الحق والجهاد في سبيله ، وتثبيت النظام الإسلامي ووضعه في نصابه ، هو الوسيلة الكبرى للتقرب إلى الله تعالى . وذكر من بعد عقوبة الذين يهددون الأمن بقوة قاهرة ظاهرة ، وحكم الذين يهددون الأمن في خفية ، ويزعجون الناس في مآمنهم ، فذكر عقوبة السرقة ، وهي قطع اليد . وبعد بيان هذه العقوبات الزاجرة للجرائم المنبعثة ، والتي يسوق إليها الحقد والحسد أخذ يبين سبحانه حال أهل الكتاب من اليهود ، وما فسدت به قلوبهم من حقد أثر في قولهم واعتقادهم ، وأوجد النفاق في قلوبهم ، وجعل أعمالهم إثما مستمرا ، وأنهم لم ينفذوا أحكام التوراة في جرائمهم ، وأرادوا أن يفروا منها إلى أحكام الإسلام زاعمين أنها تخفف عنهم ، وقد بين سبحانه أحكام التوراة التي نزلت على موسى ، ووجوب أن يخضعوا لها ، كما يجب أن يخضع أهل الإنجيل لما جاء في الإنجيل ، ومنها التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأشار سبحانه وتعالى إلى أن لكل أمة جعل - سبحانه - شرعة ومنهاجا مؤقتا ، حتى جاءت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم . وإنه بعد نزول القرآن لا حكم إلا له ؛ ولذا قال سبحانه : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا

--> ( 1 ) السابلة : أبناء الطريق المختلفة في الطرقات . الصحاح . سبل .