محمد أبو زهرة
2004
زهرة التفاسير
وبعد أن بينت هذه المباحات من الطيبات ، أخذت تتجه إلى غذاء الروح بعد غذاء الجسم ، وهو الصلاة ، وما يجب أن يتقدمها ، وأن العبادات لا يريد الله تعالى منها بعباده الضيق والحرج ، ولكن الطهارة النفسية . . . . ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ . . . ( 6 ) وإن الطهارة في الصلاة لها غاية اجتماعية عالية ، وهي حسن التعامل ، وإقامة العدالة ؛ ولذلك أمر من بعد هذا بإقامة العدالة مع العدو ، ومع الولي على سواء ، ثم ذكر المؤمنين بأن العدالة هي التي تحمى المجتمعات ، وأن الله تعالى حماهم عندما هم قوم أن يبسطوا أيديهم بإيذائهم ، ثم ذكرهم ببنى إسرائيل أنهم عندما نقضوا الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم بإقامة العدل لعنهم الله تعالى ، وجعل قلوبهم قاسية قد غلقت عن الحق ، وأغلفت على تحكم الهوى ، فأخذوا يحرفون الكتب ويحذفون منها ما لا تهوى الأنفس ، وكذلك فعل النصارى حتى ادعوا الألوهية للمسيح عيسى ابن مريم ، فكفروا ، واسترسلوا حتى ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه ، ثم وجه الله تعالى الخطاب من بعد للذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الحق ، ويقيم الحجة عليهم بهذه الدعوة القائمة . وإن الذل يفسد القلوب ، ويذهب النخوة ، وكذلك كان الأمر بالنسبة لليهود ، فقد ذكرت السورة الكريمة أنهم بعد أن ضربت عليهم الذلة في مصر أراد موسى - عليه السلام - بأمر ربه أن يجعل منهم قوما ذوى بأس ، فأراد أن يقودهم ليدخلوا الأرض المقدسة ، ولكنهم آثروا الاستنامة ، فأخذوا يتيهون في الأرض أربعين سنة . وإن النفس البشرية إذا دخلها الحسد فسدت ، وصارت العداوة بدل المودة في موضع كان يجب أن تسوده المحبة ، وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة خبر ابني آدم إذ قتل أحدهما الآخر ؛ لأنه قبل قربانه ، ولما أخذه الندم بعد فوات وقت العمل