محمد أبو زهرة
1996
زهرة التفاسير
ابتدأت سورة النساء ببيان أحكام للأسرة ، وختمت كما بدأت ببيان أحكام للأسرة ، بدئت ببيان أحكام الزواج ، وإباحة تعدد الزوجات في الحدود التي رسمها الله تعالى لعباده ثم فصل القول في المواريث ثم فصل القول فيمن يصح الزواج منهن ، ثم كان من بعد ذلك الكلام في علاقات آحاد الأمة ، ثم في علاقات الناس بعضهم على بعض ، وكأنما كان الانتقال من الأسرة التي هي النواة الأولى للبناء الاجتماعي إلى المجتمع الصغير في حقوق الجوار وما يتصل به ، ثم إلى المجتمع الكبير في الأمة وعلاج الآفات الاجتماعية فيه ، وعلى رأسها النفاق والمنافقون . ثم انتقلت إلى علاج العلاقات الإنسانية العامة ، وضرورة الحرب إن اعتدت الرذيلة على الفضيلة ؛ لأن فضيلة الإسلام إيجابية عاملة لا سلبية خاملة ، وتكلمت عن فساد الأمم والجماعات ، وسببه التعصب للباطل ، وسيطرة الأوهام والغلو في الأحكام مبينة قصة الذين اجترءوا على الحق وأصله وأهله من اليهود ، والذين غلوا غلوا خرج بهم عن كل معقول ومقبول ، وهم النصارى الذين غلوا في دينهم ، ورفعوا المسيح إلى مرتبة الألوهية ، وزعمهم أنه ابن الله . يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ . وكان ختام السورة ببعض أحكام الميراث تذكيرا بأمرين : أولهما - أن الأسرة هي الخلية الأولى التي يتربى فيها النزع الاجتماعي بكل ضروبه ، وكل شعبه وأنه لا يوجد مجتمع صالح إلا بأسر صالحة ، وفساد الأسرة فيه فساد المجتمع . ثانيهما - أن أحكام الأسرة مستمدة من الله تعالى من غير توسط أحد كبيرا كان أو صغيرا ، وأن مخالفة أحكام الله تعالى ضلال ليس بعده ضلال ، ولذا ختمت السورة بأن بيان الله تعالى لمنع الضلال ، كما سنتلو من الآية الكريمة إن شاء الله تعالى . يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ رويت روايات كثيرة في الاستفتاء الذي وقع من الصحابة ، رضي الله عنهم ، ويظهر أن السؤال في ميراث الإخوة