محمد أبو زهرة

1708

زهرة التفاسير

والأزمان ، ولذا قال سبحانه : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي قد ثبت وتقرر أن أمر الله تعالى فيما يخبر به ، مقدر واقع لا محالة ، فلا مناص منه ، فهؤلاء الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم لهم أحد العذابين : إما سحقهم بالقتال الذي يولون فيه الأدبار ، وإما ضرب الذلة عليهم ولعنهم من الناس أجمعين . وإن ذلك محقق بعون الله ، وقد قال الزمخشري في هذا المقام : قد حصل اللعن ، فهم ملعونون بكل لسان ! والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ ، ألا ترى إلى قوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ ( 60 ) [ المائدة ] . إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ اشتملت الآية السابقة على دعوة أهل الكتاب ، وأنه إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وعلى إنذار شديد في الدنيا بإجلائهم وقتلهم ، أو لعنهم من الناس أجمعين ، وفي هذا النص الكريم فتح لباب المغفرة التي كتبها الله على نفسه لعباده ؛ لأنه كتب على نفسه الرحمة ، ومعنى النص : إن الله تعالى ليس من شأنه أن يغفر لمن يشرك به في العبادة أو في الربوبية ؛ لأن الشرك انحراف شديد لا يقبل الغفران ، إلا أن يعود إلى التوحيد المطلق بعد الإشراك . والإشراك نوعان : إشراك في الإنشاء والتكوين أو العبادة ؛ كأولئك الذين يعتقدون أن الكواكب لها دخل في الإنشاء ، وكأولئك الذين يعبدون غير الله ، وإن كانوا يعتقدون أن الله تعالى وحده هو الذي خلق وأنشأ وكون ، ويعبدون الأوثان لأنها في زعمهم تقربهم إلى الله زلفى . والنوع الثاني من الإشراك أن يتركوا كتب الله تعالى ، ويعرضوا عنها ، ويتخذوا دينهم من الأحبار ، ولو غيروا فيه وبدلوا ، زاعمين أنهم لا يتكلمون إلا عن الله تعالى ، وإن كان الكتاب يخالف قولهم ، ومن هؤلاء من أشار الله تعالى إليهم بقوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) [ التوبة ] .