محمد أبو زهرة

1993

زهرة التفاسير

صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا الله » « 1 » فالإيمان بالله تعالى يقتضى الإخلاص المطلق لذاته العلية ، وإذا وجد ذلك الإخلاص اتجه اتجاها مستقيما ، وإذا اتجه ذلك الاتجاه أشرق عليه بنور الحكمة ، وطلب الحق لذات الحق ، وتجرد من تدرن النفس بالهوى ، والشهوة ، وبذلك يكون للحق ، ولا يكون منه إلا الحق ، لأنه أخلص للحق جل جلاله . وأما الاعتصام بالله تعالى ، فإن معناه ألا يجد لنفسه عاصما من الناس إلا هو ، ولا ملجأ يلجأ إليه الا هو ، ولا معاذ له إلا رب العالمين ، وبهذا يعلو عن طاعة المستكبرين ، ويتجافى عن الخضوع لذوي السلطان إلا بالحق ، فلا يذل ولا يخضع ، ولا يجبن ، ولا ينافق ، ولا يكذب ، ولا يكون فيه إلا السلوك الفاضل ، ولا يكون إلا المجتمع الفاضل المؤمن بالله ، وبالحق لا يخشى في الله لومة لائم ، ولا يدهن في كلامه ، ولا أفعاله ، ولا يخاف إلا الله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي يخضع لكل شئ ، تبارك وتعالى بيده الملك وهو على كل شئ قدير . ولقد ذكر سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء ، فقال تعالت كلماته : فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً هذا جزاء الذين آمنوا بالله واعتصموا به ، وهو جزاء مكون من ثلاثة أجزاء : رحمة وفضل ، وهداية إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمت . ولكن ما هي الرحمة ، وما هو الفضل ، وما هي الهداية ، ثم أهذا الجزاء في الدنيا أم هو في الآخرة ؟ أم هو فيهما معا ؟ لم يبين النص الكريم مكان ذلك الجزاء المؤكد ، وعندي أن هذا الجزاء في الدنيا والآخرة . وعلى هذا يكون معنى الرحمة في الدنيا أن يكونوا في سعادة واطمئنان وهدوء بال ؛ لأنهم فوضوا أمورهم للعلى الأعلى الذي ليس كمثله شئ ، وهو العلى الحكيم ، وركنوا أنفسهم إلى الملجأ الأعصم ، والركن الأمكن ، فاطمأنوا

--> ( 1 ) سبق تخريج ما في معناه .