محمد أبو زهرة
1992
زهرة التفاسير
بقد وبالمجيء في قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ أي أنه أتاكم كالأمر المحسوس المؤكد الذي يرى ويحس ، فهو قائم بين أيديكم وحجة عليكم . ثانيها - إسناد الإنزال إلى الذات العلية ذات الجلال والإكرام في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ فأسند إليه تعالى للإشارة إلى أنه تعالى المرجع وكما أن المآب إليه . ثالثها - وصف الشرائع والقصص والمواعظ التي نزل بها القرآن بأنها نور مبين واضح ، أي أنه لا يخفى إلا على من أنفت حواسه ، وفسدت مشاعره ، وأصيب بعمى البصيرة ، وكان عليه غشاوة ، لا يرى معها النور الواضح المبين . وإن الناس الذين خوطبوا بذلك الخطاب الإلهى قسمان ، فريق آمن واهتدى ، وانتفع بالنور الذي جاء الرسول به ، وفريق ضل وغوى ، ولم ينتفع بالنور الذي حمل مصباحه المزهر محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد بين سبحانه وتعالى الفريق الذي اهتدى فقال تعالت كلماته : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ذكر الله سبحانه وتعالى وصفين للذين اهتدوا وزادهم هدى . أول هذين الوصفين أنهم آمنوا بالله تعالى ، وثاني هذين الوصفين أنهم اعتصموا به ، فلا يلجئون إلا إليه ، ولنتكلم في كل من هذين الوصفين ، ومقامهما من اتباع الحق ، والاهتداء بهديه . أما الإيمان بالله فمعناه الإيمان بعظمته وجلاله ، والإحساس بأنه فوق كل شئ ، وهو القاهر فوق عباده والإذعان له ، والمحبة لذاته الكريمة واجبة على الإنسان ، وأن يذكره دائما كأنه يراه ، كما في الحديث ، « اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » « 1 » ، والإيمان بالله تعالى يقتضى اعتقاد الوحدانية ، وأنه لا منشئ للكون سواه ، ولا يعبد بحق غيره ، ويقتضى أن يحب الوجود ؛ لأن الله تعالى خالق الوجود ، ويقتضى ألا يحب شيئا إلا ابتغاء مرضاة الله ، كما قال النبي
--> ( 1 ) سبق تخريجه .