محمد أبو زهرة

1991

زهرة التفاسير

هذا تخريج قول الذين قالوا إن البرهان هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم كثيرون من التابعين . وأما قول الذين قالوا إن البرهان هو القرآن الكريم ، فهو واضح لأن القرآن هو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق رسالته ، ولكن الذي يقتضى توضيحه هو قوله تعالى بعد ذلك : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فإنه واضح أن المراد منها القرآن ؛ لأنه المنزل من رب العالمين ، وهو النور الواضح الهادي إلى الرشاد ، ويجاب عن ذلك بأن القرآن الكريم فيه المزايا الثلاث ، فهو الحجة القائمة ، والمعجزة الدائمة ، وهو تنزيل من رب العالمين ، وهو نور يهدى للتي هي أقوم ، وإن النور المبين في القرآن ، ما اشتمل عليه من أحكام شرعية خالدة تنير السبيل وتوضحه لمن يسلك سبيل المؤمنين ، فهي نافعة في الدين مبينة الحق ، ومن اتبع أحكام القرآن هدى ، ومن خالفها هوى . وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً . أنزلنا إليكم مواعظ وقصصا وأحكاما شرعية هي كالنور في هدايته وإرشاده وبيانه للأشياء فهي مبينة للطريق المستقيم ، والنهج القويم ، والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه . ولا يتغير المعنى إذا قلنا إن البرهان هو النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه حينئذ يفسر قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً . بأنه القرآن ، والمعنى والمؤدى فيهما ، لا يختلف . وهنا مباحث لفظية لا بد من الإشارة إليها بعبارات موجزة موضحة . أولها - التعبير بقوله تعالى : مِنْ رَبِّكُمْ . في قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ فيه تقوية لمعنى البرهان ؛ لأن ذلك الدليل إذا كان قد جاء من عند علام الغيوب الذي خلق السماوات والأرض وما فيهما ، لا بد أن يكون برهانا صادقا مقنعا لطالب الحق ، مفحما لأهل الباطل الجاحدين ، وقد زكى معنى التأكيد التعبير