محمد أبو زهرة
1989
زهرة التفاسير
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة جحود المشركين وأهل الكتاب للرسالة المحمدية ، وبين بطلان قولهم ، والإفك فيما يزعمون من تدين ، وأن المسيح - عليه السلام - كان موضع المغالاة ، فاليهود غالوا في إنكار رسالته ، وزعموا أنهم قتلوه وما قتلوه وما صلبوه ، وما مكنهم الله تعالى من أن يقتلوه ، كما قتلوا نبيين من قبله ، وغالى فيه النصارى فادعوا له الألوهية ، بعد أن بين سبحانه وتعالى ذلك أخذ يبين المنهاج المستقيم ، والدين الحق الذي لا يأتيه الباطل ، وليس فيه غلو في أمر من الأمور ، بل فيه النور والحجة والبرهان ، ولذا قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً الخطاب عام لأهل العقول من الناس أجمعين كافرهم وملحدهم ، ومشركهم ويهودهم ونصاراهم والمؤمنين بالله ورسله ، وما أنزل على رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم . والبرهان الذي جاء رب العالمين الناس به هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل إنه القرآن ، وقيل إنه القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر الزمخشري الأقوال الثلاثة على أنها محتملة ، ويصح أن يكون آخرها أجمعها وهو أولى بالاعتبار لهذا ، وتوجيه القول على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو البرهان ، أن شخصه الكريم من يوم مولده إلى أن قبضه الله تعالى إليه برهان صدق الرسالة التي كان يدعو إليها ، ويهدى الناس بها ، ذلك أنه نشأ يتيما من أبيه وأمه ومع ذلك لم يتدل إلى ما يتدلى إليه اليتامى ، فلم يقع منه