محمد أبو زهرة
1987
زهرة التفاسير
لمظهر البكاء ، ومنه الحديث : « ما ينكف العرق عن جبينه » « 1 » أي ما ينقطع ، ومنه الحديث : « جاء بجيش لا ينكف آخره » « 2 » . ومعنى ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ ) أي لن ينقطع أن يكون المسيح عبدا لله . وقد اختار ذلك الزجاج ، وارتضاه الزمخشري في الكشاف . ثالثها - أنها مأخوذة من النكف وهو العيب ، ويكون المعنى « لن يعاب المسيح أن يكون عبدا لله » وكلها معان متلاقية . وعطف سبحانه على المسيح - عليه السلام - الملائكة فقال : وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أي لا يستنكف المسيح عن أن يكون عبدا لله ، ولا يستنكف أيضا الملائكة المقربون إليه سبحانه كجبريل وإسرافيل وميكائيل ، وحملة العرش فإن هؤلاء على روحانياتهم الكاملة ، ومع أن الله تعالى خلقهم من غير أب ولا أم لا يترفعون ، أن يكونوا عبيدا لله تعالى ؛ لأن الله تعالى خلقهم وهم المدركون لجلاله وكماله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 ) [ التحريم ] . ولقد أخذ الزمخشري من هذا النص أن الملائكة المقربين أعلى درجة من الأنبياء وقال في ذلك : ولا من هو أعلى قدرا وأعظم خطرا وهم الكروبيون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم ، فإن قلت من أين دل قوله تعالى وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ على أن المعنى ولا من فوقه ، قلت من حيث إن علم المعاني لا يقتضى غير ذلك ، وذلك أن الكلام سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة العبودية ، فوجب أن يقال لهم لن يترفع المسيح عن العبودية ، ولا من هو أرفع منه درجة ، كأنه قيل لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية فكيف بالمسيح ! ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة تخصيص المقربين لكونهم أرفع الملائكة درجة وأعلاهم منزلة ، ومثاله قول القائل : وما مثله ممن يجاود حاتم * ولا البحر ذو الأمواج يلتج ذاخره
--> ( 1 ، 2 ) السابق .