محمد أبو زهرة
1986
زهرة التفاسير
قالوا : تقول إنه عبد الله ورسوله . فقال لأمير القوم : « إنه ليس بعار أن يكون عبدا لله ، قالوا : بلى » « 1 » . وهنا بحثان لفظيان نريد أن نلم بهما بعض الإلمام . أولهما - التعبير ب « لن » فإن هذا التعبير النافي فيه تأكيد للنفي ، وفيه بيان استمراره وفيه فوق ذلك إشارة إلى أن المنفى هو الأمر الذي لا يتصور العقل غيره ، فلا يتصور العقل أن يترفع المسيح عن أن يكون عبدا لله ، لأنه هو الذي خلقه ، وهو الذي سواه ، وهو الذي جعل له كل الصفات التي امتاز بها على غيره من الناس في عهده ، إن الكمال للإنسان في أن يحس بعبوديته لله تعالى وحده ، فذلك ليس عارا كما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن شكر المنعم هو كمال الإنسان ، والمنعم بنعمة الوجود ، ومجرى النعم هو الله سبحانه وتعالى ، فالعبودية له سبحانه شكر وهي كمال الصلة بين الله تعالى وخلقه . وثانيهما - أصل معنى يستنكف ، أنها في مغزاها لن يأنف أو يترفع ، ولكن في أصل اللغة لها أصول ثلاثة . أولها - أنها مشتقة من التنزيه ، فالفعل الثلاثي لها ( نكف ) ، دخله السين والتاء فيقال نكفت من الشئ واستنكفت منه ، وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه ، وروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن معنى سبحان الله فقال - عليه السلام - « إنكاف الله عن كل سوء » « 2 » بمعنى تنزيهه عن كل سوء ، ويكون معنى « لَنْ يَسْتَنْكِفَ » لن يتنزه عن أن يكون عبدا لله ، فالعبودية ليس للبشر أن يتنزهوا عنها ، بل عليهم أن يخضعوا لها . ثانيها - أنها مأخوذة من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك سترا
--> ( 1 ) ذكره هكذا بلفظ « روى » : الزمخشري ، والنسفي ، والرازي ، والآلوسي ، والبيضاوي ، سببا لنزول الآية الكريمة . ( 2 ) النهاية في غريب الحديث ( نكف ) .