محمد أبو زهرة

1978

زهرة التفاسير

يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ نهى في هذا النص الكريم عن الغلو في الدين ، والغلو هو تجاوز الحد سلبا أو إيجابا ، وقد تجاوز اليهود الحد في شأن عيسى - عليه السلام - ، فأنكروا رسالته لعنة الله عليهم ، واتهموا أمه البتول ، وغالى فيه النصارى ، حتى أخرجوه من مرتبة البشرية مع أن البشرية واضحة فيه ، وفي ولادته ، وفي حياته ، وفي كونه لحما ودما يحيا ويموت ، ويأكل ويشرب ، كما يأكل سائر البشر ، وإذا كان الغلو في شأن عيسى وقع من اليهود ، ومن النصارى ، فإنه يصح أن يكون الخطاب موجها إلى الفريقين ، باعتبار أن الغلو وقع مستمرا ، فيكون النهى عن الاستمرار ، ولكن سياق القول يدل على أن أهل الكتاب المخاطبين في هذه الآية هم النصارى لأنه سبحانه وتعالى يقول : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا إلى آخره ، فالسياق في خطاب النصارى ومغالاة اليهود بشأن عيسى قد سبق بيانها آنفا . ولقد أردف الله سبحانه النهى عن المغالاة بتجاوز الحق ، وبالأمر بالحق ، فقال تعالى : وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ . أي لا تقولوا يا معشر النصارى على الله إلا الحق الثابت القائم على الدليل المقنع ، لا على الوهم البعيد ، وفي هذا النص السامي إشارات إلى معان ، فإن أقوالهم التي قالوها غير الحق هي افتراء وكذب على الله تعالى ، وكذلك عدى القول فقال على الله ؛ لأن القول يتضمن معنى الافتراء ، وفوق ذلك إنها لا تعتمد على الحق الثابت ، وتناقض الدليل الواضح ، والبرهان القاطع قائم في أن عيسى ولد ، والإله لا يولد ، وعيسى كان يأكل ويشرب ، والإله ليس كذلك ، وقد زعموا أنهم قتلوه ، والإله لا يقتل ، وزعموا أنه قتل افتداء للخليقة عن عصيان آدم لله تعالى ، وليس من المعقول في أي منطق أن يفتدى الله الخليقة عن عصيان أبيها بتمكينهم من قتل ابنه في زعمهم ، فإن ذلك القتل جريمة أشد وأشنع ، وإذا كانت الأولى تحتاج إلى فداء ، فالثانية لا يغنى عنها فداء ، ولكن هكذا سوغ الوهم لهم .