محمد أبو زهرة

1973

زهرة التفاسير

والثانية - أن هداية الله تعالى تكون للنفس الصالحة لقبولها ، فهي استجابة من الله تعالى لمن يطلبها ، ولا يطلبها من أركس في الشر إركاسا ، فمن طلب الهداية نالها ، ومن تنكب سبيلها سلب الله تعالى عنه هدايته . الثالثة - أن التوبة أساس الغفران ، والتوبة ندم على الذنب ، وإقلاع عنه ، واعتزام على عدم العودة . إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً الاستثناء هنا من ختام الآية السابقة ، أي أن الله تعالى لا يوصلهم إلى طريق إلا طريق جهنم ، ويكون معنى الهداية التوصيل ، وليس التوصيل إلى جهنم فيه نوع من الهداية ، بل هو التردى في الهاوية ، وكان التعبير عن الهداية من قبيل المشاكلة اللفظية ، وفيه نوع من التهكم في مثل قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) [ الانشقاق ] . وفي الكلام تنبيه إلى أن أعمالهم تنتهى بهم لا محالة إلى جهنم ، وعذابها الشديد ، فإذا كانوا ممن يظنون أنفسهم في سعادة في الدنيا ، فسيجدون الألم الشديد ، ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 ) [ الحجر ] . وقد ذكر سبحانه أنهم خالدون في جهنم أبدا ، فأكد سبحانه العذاب بأنه عذاب خالد دائم ، فوصفهم بأنهم خالدون على وجه التأبيد ، وقد وصفهم بالخلود الدائم في العذاب ولم يصف العذاب ، للإشارة إلى أنهم متلبسون به ولتصوير الآلام التي تنزل بهم ، وأنهم لإخلاص لهم منها ، بل هي ملازمة لهم ملازمة الوصف للموصوف . وقد قال الأصفهاني في معنى الخلود : الخلود هو تبرى الشئ من اعتراض الفساد ، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها ، وكل ما يتباطأ التغيير والفساد فيه تصفه العرب بالخلود . . ويقال خلد يخلد خلودا قال تعالى : لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) [ الشعراء ] .