محمد أبو زهرة
1967
زهرة التفاسير
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً هذا تخصيص لموسى عليه السلام بالذكر ، ولم يذكر في ضمن من ذكروا من السابقين ؛ وذلك لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة التي كانت شريعة لمن جاء بعده ، ولأن اليهود الذين جحدوا بآيات الله كانوا يدعون الأخذ بشريعته ، ولأنه نزل به اختبار شديد بسبب بني إسرائيل الذين كانوا محل رسالته ، وأخيرا لأنه اختص من بين المذكورين بأن الله تعالى كلمه ، وقد جاء الصريح بأنه كلمه في هذا النص ، وفي غيره ومن ذلك قوله تعالى في أول سورة طه : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ( 13 ) [ طه ] . وإن هذا يدل على أن الله تعالى متصف بصفة الكلام ، والمعتزلة من الفرق الإسلامية ينكرون نسبة صفة الكلام لله تعالى ، ويذهب فرط غلو بعضهم إلى أن يفسروا قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً بأنه كلم من الكلم لا من الكلام ، أي أن الله تعالى اختبر موسى - عليه السلام - اختبارات شديدة كانت كالكلام والجروح وتلك مغالاة في تفسير القرآن الكريم بالمذهبية ، وقد أنكره الزمخشري - وهو منهم - وسماه من بدع التفاسير . والحق أن كلم من الكلام ، وقد أكد تكليم الله تعالى لموسى بالمصدر ، والظاهر من الكلام إذا أكد ، كان غير قابل للمجاز ولا للتأويل ، وأنه يجب تفسير القرآن بظواهره ، وخصوصا الظواهر المؤكدة ولا تطغى الآراء المذهبية على المعاني القرآنية ، فالقرآن منبع الحق ، ونور المتقين . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً في هذا النص الكريم بيان لعمل الرسل ، والحكمة من بعثهم ، وقد أرسل هؤلاء مبينين الحق داعين إليه ، يبشرون الطائعين بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، وينذرون العاصين بسوء العقبى ، وإن واتاهم نفع في الدنيا ، فالعذاب الأليم يستقبلهم في الآخرة . وكان بعث الرسل لكي يكون الذين يعصون على علم بما يستقبلهم والذين يطيعون على بينة بأوامر ربهم ويكون الذين يعذبون ليس لهم عذر من جهل ،