محمد أبو زهرة

1957

زهرة التفاسير

كانوا كذلك ، وقد كانوا لا همة لهم إلا في الكسب الرخيص ولا همة لهم في دفع اعتداء ، فقد كانوا يقولون لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 ) [ المائدة ] ، وهمتهم الكبرى في الإيذاء لخمول قلوبهم بقدر خمول أجسامهم . وكان في فطمهم عن الشحوم ، وما يزيد البدن ترهلا ، تهذيبا لنفوسهم ، وتقوية لأبدانهم ، وفتح باب الهمة العليا لهم . ومن المظالم التي ارتكبوها صدهم أنفسهم عن طريق الحق ، وصدهم غيرهم ومنع غير اليهود من أن يدخلوا في ديانة موسى ، ولذا قال سبحانه : وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي صدا كثيرا في ذاته أو صدا لناس كثيرين . وقد ذكر سبحانه وتعالى بقية الأسباب التي أوجبت ذلك التحريم فقال : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ كان الظلم الأول موضعه القلب والاعتقاد ، وما ينبعث من أفعال شاذة فيها اعتداء على رسل الله تعالى وأنبيائه ، فالاعتداء فيها كان على جنب الله تعالى والفساد كان في القلوب ، وفي الأعمال التي تتعلق بها . أما الظلم هنا فهو واقع على العباد . ذلك أن ضعف همتهم في الكسب ، وعدم الاتجاه إلى العمل المثمر المنتج جعلهم يتجهون إلى الكسب الفاسد غير المنتج وذلك بالربا ، وأكل مال الناس بالباطل ، فأما الربا ، وهو الزيادة في نظير الزيادة في الأجل فهو كسب الخبيث ، وغير منطقي ، لأنه كسب بالنقد ، والنقد لا يلد النقد كما قال أرسطو ، وهو كسب بالانتظار فالزمن هو العامل فيه ، والكسب بالانتظار عمل الكسالى الجبناء ؛ لأنه يجيئهم من غير عمل ، ومن غير تعرض للخسارة وهو في الغالب نوع من البطالة ، ويؤدى إلى القمار والمراهنات ، ولذلك تقترن هذه الآفات الاجتماعية بالتعامل بالربا ، وتكون في أكثر أحوالها ممن يتعاملون به ، حيث لا مخاطرة كالتي تكون في التجارة أو الزراعة . ويندر أن تجد يهوديا في أي بلد من البلاد يشتغل