محمد أبو زهرة

1942

زهرة التفاسير

أكبر ، وفي الآيات التالية يبين الله تعالى لجاجة اليهود في كفرهم وإعنات الرسول المبعوث لهم ، ولغيرهم ، وهو خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه اللجاجة ما قاله الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ أهل الكتاب هنا هم اليهود ، بدليل ما جاء في السياق بعد ذلك من آيات ، وكقوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ( 157 ) [ النساء ] وإن هؤلاء اليهود متعنتون ، لا يسألون النبي دليلا لكون الدليل الذي قدمه ، وهو القرآن الكريم غير ملزم ، ولكن يتعنتون ، فيطلبون إعناتا ، ولجاجة في العناد والكفر ، وقد طلبوا دليلا قريبا ، وهو أن ينزل عليهم كتابا من السماء . وقد اختلف أهل التأويل من السلف الصالح ، فقال بعضهم إنهم سألوا أن ينزل على النبي كتاب شامل مكتوب كما نزلت التوراة مكتوبة جملة واحدة ، وقال آخرون إنهم طلبوا أن ينزل كتاب خالص في قرطاس يدعوهم إلى الإيمان بمحمد ليكون حجة الله تعالى عليهم ، وقال آخرون من السلف إنهم طلبوا أن ينزل ذلك الكتاب الداعي إلى الاستجابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض كبرائهم . والحق كما قال ابن جرير الطبري إنهم طلبوا كل هذا ، فقد طلبوا أن ينزل القرآن مكتوبا جملة واحدة كالتوراة وذلك ليشككوا في حقيقته ، وفريق آخر منهم طلب أن ينزل من السماء كتاب خاص يقرءونه داعيا لهم بالإذعان . وفريق ثالث طلب كتابا ينزل على بعضهم ، فالمطالب الثلاثة وجدت ، ولو أجيبوا إلى ما طلبوا ما ضمنا إيمانهم ؛ ولأن التعنت لا يقلعه شئ ، وقد قام الدليل القاطع المثبت ، وهو القرآن المعجز ، ولقد قال تعالى في سورة الأنعام : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ]