محمد أبو زهرة
1931
زهرة التفاسير
فاستتر فهو في ستر الله ، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد » « 1 » ويقول صلى الله عليه وسلم : « إن من أبعد الناس عن الله منازل يوم القيامة المجاهرين ، قيل : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : ذلك الذي يعمل عملا بالليل قد ستره الله عليه ، فيصبح يقول : فعلت كذا وكذا يكشف ستر الله » « 2 » . وإن الجهر بالسوء يسهله ، فتزداد الجرائم ويسهل ارتكابها لمن هو على استعداد لها ، وكثيرا ما نرى الشبان يرتكبون جريمة معينة قد أخذوها من قصة أذيعت ، أو نشرت ، أو تردد ذكرها ، فإن ذكر الشر يستهوى الشباب ، خصوص إذا قدم في عرض منسق يحبب الاستماع إليه ، فإنه يسرى في النفوس سريان الطعام المسموم في الأجسام . وفوق ذلك فإن كثرة ذكر السوء والفجور يزيل استنكاره في النفس ، ويذهب بروعة الحق ، وإن ذكر السوء لأهل السوء يثير عدوانهم ويجعلهم يتبجحون في ارتكابه ، ويباعد بينهم وبين الاستجابة لداعى الهدى ، ذلك أن الناس إذا استتروا في شرهم ، وظنوا أن الناس لا يعلمونه كان كتمانه مسهلا لقتله في نفوسهم ، فإن أعلن وفقدوا حياءهم استمرءوا الشر وأعلنوه ، وكل إعلان منهم تغليق لباب الهداية في قلوبهم بيد أن الشر أحيان يجب إعلانه لدفعه ، إذا كان ثمة فريسة لهذا الشر ، وتعد بالظلم ، فإنه يجب دفعه ، ولذلك ذكر سبحانه بعد أن قرر القاعدة العامة ، وهي أنه لا يحب الجهر بالسوء استثناء حال الظلم فقال : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً الاستثناء هنا عند بعض العلماء استثناء منقطع ، ف « إلا » هنا معناها لكن ، والمعنى : لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لدفع
--> ( 1 ) موطأ مالك - الحدود فيمن اعترف على نفسه بالزنا ( 1562 ) عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط ، فأتي بسوط مكسور فقال : « فوق هذا » فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال : « دون هذا » فأتي بسوط قد ركب به ولان ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد ثم قال : « أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ؛ فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله » . ( 2 ) سبق تخريجه .