محمد أبو زهرة
1701
زهرة التفاسير
جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : تحريف الكلام أن جعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين . قال عزّ وجل : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ومن بعد مواضعه : . . . وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) [ البقرة ] . وهذا الفريق ليس تحريفه هو التحريف العام الذي وقع من اليهود في تأويل كتبهم وإهمال كثير منها ، وإخفائهم التبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إنما تحريفهم هو حمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على غير وجهه ، وجعله يحتمل ما لا يراد به ، كما سنبين ، هذا الفريق هو الذي قال الله تعالى فيه : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) [ البقرة ] . فهذا الفريق لا يكتفى بما فعله أسلافه وما يتحمل وزره الذين يعلمون الكتاب المنزل من قبل ويكتمونه ، بل إنه يجعل كلام النبي صلى الله عليه وسلم منحرفا في أذهانهم الملتوية عن حقيقة معناه ، ويتهكمون عليه ، ويحملونه بأغراضهم الفاسدة ما لا يحتمل من المعاني ، ولا يكتفون بذلك التحريف ، بل يجمعون معه النطق بالعصيان عند السماع ، وقد قال الله سبحانه عن تلقيهم لأحكام الشرع التي يبينها النبي صلى الله عليه وسلم : وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وإن حال هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، كما حرف أسلافهم كتبهم ، إنهم إذا سمعوا ما أنزل على الرسول لا يستمعون ليتبعوا الحق إن ظهرت بيناته ، بل يستمعون على نية الرد ، والاستمرار في العناد ، وسد كل أبواب الهداية لكيلا تصل إلى قلوبهم ، فإذا سمعوا الرسول يدعو إلى الحق ، وإلى صراط مستقيم ، جمجموا في أنفسهم « 1 » أو غمزوا به فيما بينهم قائلين : سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي سمعنا قولك ووعيناه ، وعصينا ما تدعونا إليه ، وإن كان الحق الذي لا مرية فيه ، ولا توجد نفس أوغلت في
--> ( 1 ) والجمجمة : أن يبين كلامه من غير عي ، وفي التهذيب : ألا تبين كلامك من عي .