محمد أبو زهرة

1919

زهرة التفاسير

ولكنه تذكر لا يكون معه إيمان مثمر ، ولا تصديق مذعن ، فلا خير فيه ، ولا ثواب عليه ، ولا يمدحون بذلك القدر من الذكر ، الذي لا يجدى . وقوله تعالى : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا هو حال لهم ذكرها يفيد أنهم قد طمس على قلوبهم حتى إذا جاءهم بريق من النور أطفئوه ، ولا يبقونه . وهؤلاء المنافقون أمرهم عجب هم أحيانا يدعون أنهم من دولة أهل الإيمان وفي ولايتهم إن وجدوا للمؤمنين غلبا ، وينتمون إلى دولة الكفر إن كان للكفر نصيب من نصر أو غلب أهل الحقد على أهل الإيمان ، ولذا قال سبحانه : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ الذبذبة الاضطراب ، ومن ذلك قول النابغة في مدح النعمان : ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب أي يضطرب ولا يصل إليها ، كذلك هؤلاء المنافقون في اضطراب دائم مستمر ، ويترددون : أيخرجون من الكفر إلى الإيمان ، أم يبقون على ما هم عليه من كفران ، ثم أهم يجعلون أنفسهم مع محمد وأوليائه ، أم مع الذين يحاربونه من أعدائه ، وقد أشرنا من قبل إلى ما رواه مسلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : « مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة ، وإلى هذه أخرى » « 1 » . وهنا أمر لفظي ، وهو قوله تعالى : بَيْنَ ذلِكَ الإشارة في الظاهر إلى المذكور آنفا ، في طي الكلام ، وهو الكفر والإيمان ، أو الاستنصار بأهل الإيمان والاستنصار بأعدائهم ، فهم مترددون بين هذين الأمرين وهما المذكوران في مضمون الكلام ، فالإشارة إلى المذكور ، وهو يتضمن أمرين متعارضين هما الالتجاء لأهل الإيمان أو البقاء مع أهل الشيطان . والتعبير بكلمة ( بين ) الدال على المكان الذي يكون بين أمرين مؤداه أنهم يكونون في مكان متوسط بين الأمرين ،

--> ( 1 ) سبق تخريجه .