محمد أبو زهرة

1913

زهرة التفاسير

والمناوأة وأولئك أقوياء الكفار ، وقسم كفر وغش وخدع ، فادعى الإسلام ، وكلاهما في جهنم وان كان المنافق في الدرك الأسفل منها . الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ التربص الانتظار ، فيقال تربص بمعنى انتظر ، ويقال تربص به إذا انتظره مراقبا له ، ففي قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ( 228 ) [ البقرة ] يراد التربص مع مراقبة النفس ، وملاحظة حال الحيض وغيرها . وهؤلاء المنافقون عند اشتداد الشديدة ، وقيام الحرب ينتظرون مراقبين المؤمنين وغيرهم ، فإن كان النصر الفاتح الفاصل بين قوة الشرك وقوة أهل الإيمان بنصر الله تعالى وتأييده قالوا : نحن معكم لنا حظ في الغنيمة ولا بد أن يسهم لنا سهم فيها ، وإن كان للكافرين نصيب من النصر قالوا : ألم نحطكم بحمايتنا ورعايتنا ونمنع المؤمنين من أن ينتصروا عليكم ، أي أن انتصاركم كان بفضل حياطتنا ورعايتنا ، فهم لطمعهم مترددون بين الفريقين كالشاة العاثرة بين غنمين ، يذهبون إلى حيث المطمع العاجل ، إذا احتدم القتال بين الفريقين ، أما إذا كان السلم فقلوبهم وولاؤهم للكافرين دائما لأنهم منهم . وفي النص القرآني بعض بحوث لفظية تقرب معنى النص الكريم : أولها - أنه سبحانه وتعالى عبر عن النصر في جانب المؤمنين بأنه فتح ؛ لأن الفتح فصل بين الحق والباطل ، ولأنه من وراء نصر المؤمنين فتح الطريق لكي يدرك الناس الإسلام ، ويدخل فيه من أراد ، ولأن النصر للمؤمنين دائم ، وقد عبر سبحانه عن الفتح أنه يجئ من الله وفي ذلك معنى الدوام ؛ لأن الذي يجئ به هو الله القائم على كل شئ فهو باق ما بقيت الأسباب التي تتخذ للنصر . ثانيها - أن الاستفهام في قوله تعالى : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ معناه أننا كنا معكم مؤكدين ذلك بالاستفهام ، وهو الذي يسمى الاستفهام التقريرى وهو في أصله للنفي ، وهو داخل على النفي ، وهو : لم نكن معكم ، فهو نفى لهذه القضية ، ونفى النفي إثبات ، ومثل ذلك قوله تعالى : أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ .