محمد أبو زهرة

1908

زهرة التفاسير

كانت الآيات السابقة ، في بيان الإيمان الحق الصادق ، وأنه يشمل الإيمان بالرسل وكتبهم ، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وكتبه ، وكل ذلك في ظل الإيمان بالله تعالى باعث الرسل ومنزل الكتب من عنده ، وخالق كل شئ ، ومبدع الكون . ثم كانت الآية التي وليت ذلك في ذكر حال هؤلاء المترددين الحائرين الذين لا يستقرون على حال ، وهم قسمان : قسم ضعيف الإيمان مضطرب الاعتقاد ، وهؤلاء قد يؤمنون ثم يرتدون لغير غاية . والقسم الثاني يعلن الإيمان ويبطن الكفر ، ويتردد مظهره بين الإيمان والكفر ؛ إذ إنه مهما يطو اعتقاده في نفسه لا بد أن يظهر على لسانه ، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ( 30 ) [ محمد ] . وهذه الآيات في شأن المنافقين : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً . المنافقون هم الذين خلصوا للنفاق ، وأصبح الإيمان لا موضع له في قلوبهم ، وهم المنافقون في الاعتقاد بالرسالة المحمدية ؛ وذلك لأن النفاق قسمان : نفاق خالص ، وهؤلاء كفار في ذات الرسالة المحمدية ، وهؤلاء كفار كما قال تعالى في الآيات اللاحقة . والقسم الثاني نفاق ليس خالصا ، وهو لا يتصل بالعقيدة ، بل يتصل بالأخلاق ، وهو الذي جاء ذكره في الحديث « آية المنافق أربع : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ، وإذا خاصم فجر » « 1 » ، وبعض الروايات ليس فيها الخصلة الرابعة « 2 » . وهذا النوع هو الكثير الشائع في عصرنا . والتعبير بقوله : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ فيه نوع مجاز ؛ لأن البشارة لا تكون غالبا إلا في الخبر السار ، ويقول في ذلك الأصفهاني في مفرداته : « وبشرته أخبرته بسار

--> ( 1 ) روى البخاري : الإيمان - علامة النفاق ( 34 ) ، ومسلم : الإيمان - بيان خصال النفاق ( 58 ) عن عبد الله بن عمرو . ( 2 ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » [ رواه البخاري : الأدب ] .