محمد أبو زهرة

1906

زهرة التفاسير

ترجيح قول الذين قالوا إن هذا النص في مرضى القلوب والمنافقين الذين اضطربت عقائدهم ، فهم يؤمنون أول النهار ، ويكفرون آخره ، فيعتريهم قبس الإيمان ، فيهتدون حينا فيؤمنون ، ثم تعتريهم ظلمة نفوسهم فيكفرون ، ثم لا يزالون يترددون حتى تنطفئ قبسات النور من قلوبهم ، وبذلك يزدادون كفرا ، وذلك وصف دقيق للمترددين الحائرين ، يبتدئون بحيرة مضطربة بين النور والظلمة ، ثم يوغلون في الظلام إيغالا . وإن أولئك الذين يترددون ذلك التردد ، ثم ينتهون إلى تلك النهاية الموغلة في الكفر لا تنالهم المغفرة ، ولذا قال سبحانه : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا هذا نفى مؤكد للغفران والهداية معا ، فالله لا يغفر لهم ، ولا يهديهم سبيلا مستقيما ، بل هم في حيرة مستمرة ، واللام في قوله : لِيَغْفِرَ ، و لِيَهْدِيَهُمْ هي اللام التي يسميها النحويون لام الجحود أي النفي المؤكد ، وهي تكون بعد الفعل المشتق من الكون ، ، ككان ويكون ، ولتقريب معناها نضرب مثلا من عبارات الناس ، فيقول بعض الناس : لم أكن لأكرمك أي لم أوجد لأكرمك ، أي ليس من شأني وحالي المستمرة استمرار وجودي أن أكرمك ، ويكون معنى النص السامي على هذا ذكر ما يؤدى إليه الكفر . وبعد أن بين سبحانه حقيقة الإيمان لم يكن من حكمته وعلمه وكمال تدبيره أن يغفر لهؤلاء ، ولا أن يهديهم السبيل ، والسبب في ذلك أنه لا تتصور منهم التوبة والرجوع إلى الحق ، والإنابة إلى الله ، حتى تكون منهم التوبة النصوح التي تجب ما قبلها من الذنوب ، إذ أن التوبة تكون لمن يقع في الذنب عن جهالة ، ثم يتوب قبل أن يوغل في الشر ويفقد معه كل عناصر ، وكذلك لا يهديهم سبيلا ؛ لأن الهداية تكون لمن لم يظلم قلبه ، ولمن أراد الهداية ، وهؤلاء لا يريدونها . فنفى الغفران ، ونفى الهداية ، بسبب أنهم أركسوا في الشر ، وأحاطت بهم خطيئاتهم ، ولقد قال في ذلك الزمخشري - رضي الله عنه - : « والمعنى أن الذين