محمد أبو زهرة

1904

زهرة التفاسير

أجزائه ، ولا يفرقون بين أحد من رسله سبحانه ، وفي هذا الأمر بيان اتصال المسلمين بالديانات السابقة ، وبيان أن الإسلام لا يهدم الأديان قبله . ولكنه يتممها . وأنه الخطوة الأخيرة في الوحي الإلهى ، وأن من يكفر به وقد أدركه يكفر بغيره ، وإن ادعى اعتناقه ، ومن يصدقه من غير إيمان بالكتب السابقة لا يكون صادقا . وننبه هنا إلى أمر لفظي ، قد أشرنا إليه ، وهو أن الله تعالى عبر عن القرآن بقوله « نزل » وعن غيره ب « أنزل » ، لأن القرآن قد نزل منجما « 1 » ، وكان لا يزال ينزل وغيره قد تم نزوله ، وفي ذلك إشارة إلى طريقة نزول القرآن وأنه أمر أراده الله تعالى لمصلحة العباد ، وتسهيل هدايتهم به ، وتسهيل حفظ النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه له ، ولأنس النبي صلى الله عليه وسلم باستمرار الوحي ينزل عليه . وبعد أن بين سبحانه حقيقة الإيمان ، ذكر ما يؤدى إليه الكفر فقال سبحانه وتعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي من يجحد بالله ، فلا يؤمن بوحدانيته ولا بقدرته المبدعة الخالقة ولا بحق الإذعان له ، والعبودية له سبحانه وحده ، ومن ينكر الملائكة ، والكتب المنزلة ، والرسل المرسلة واليوم الآخر ، الذي ينتهى إليه أمر العباد ، من يجحد ذلك الجحود ، فقد حاد عن السبيل ، وانحرف عن الجادة ، وبعد في التيه بعدا كبيرا ، لا يمكن معه أن يعود إلى الطريق المستقيم ؛ لأنه أوغل في الشر إيغالا شديدا ، وهنا نجد عناصر خمسة يجب الإيمان بها ، وهي الإيمان بالله جل جلاله ، والإيمان بالملائكة وهم عباده المطهرون الغائبون عنا حسنا ، القريبون منا ومنهم من ينزل بوحي الله تعالى على رسله ، ومن ينزل بالكتب ؛ ولذلك قرن بالكفر بهم الفكر بالكتب التي ينزلها تعالى على خلقه مسجلة أحكامه وشرائعه وأوامره ونواهيه ، واقترن الكفر بالرسل بالكفر بالكتب ؛ لأن الرسل هم الذين يبلغونها ، ويبينونها ، ويدعون إليها ،

--> ( 1 ) أي مفرقا بحسب الحوادث .