محمد أبو زهرة
1899
زهرة التفاسير
اتحدت الأعمال فقدر الله تعالى يسير الوجود ، هذان زارعان يزرعان في قطع من الأرض متجاورات يبذران بذرا واحدا ، وتسقى أراضيهما من ماء واحد ، ومع هذا فذلك يأتي بزرع طيب ، والآخر يأتي برديء ، أو هذا يبيع بسعر جيد ، وذاك يتأخر شهرا أو يتقدم شهرا فيبيع بسعر دون الأول ، فمن ظن أنه يستطيع إزالة ما بين الغنى والفقر ، فإنه يظن أنه يستطيع مغالبة القدر . وإن الميل في الشهادة أو في الحكم عن الحق سببه هو اتباع للهوى ، ولذا نهى الله تعالى عن اتباع الهوى فقال : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا « الفاء » هنا هي التي تسمى فاء الإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، كأنه يقول إن اتجهتم إلى الحق تطلبونه ، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى ، بل اتبعوا داعى العقل وحكم الشرع ، والهوى هو الخضوع للشهوات ، وعدم الخضوع لحكم العقل ، وما يوجبه الشرع ، ومن اتباع الهوى الخضوع للنزعات الوقتية ، والظاهر ، وعدم البحث عن ذات الحقائق ، فمن الخضوع للهوى أن تمنع الغنى حقا لمجرد أنه غنى ، وتحابى الفقير لمجرد أنه فقير ، فهذا من قبيل الخضوع لمجرد الإحساس من غير تفكير وبحث عن الحقائق ، فإن الغنى لا يحل ظلمه ، والفقير لا يقر على ظلم . ومعنى النص الكريم : فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى وتجنبوه لكي تعدلوا ، وتتجهوا إلى الحق من غير تعويق من العواطف أو الأحاسيس التي تلقى وهما لا حقيقة ، فقوله تعالى : أَنْ تَعْدِلُوا في مقام بيان الغاية لعدم اتباع الهوى ، فهو تعليل للنهي ، ولا حاجة فيه إلى تقدير ، ومؤدى الكلام على ذلك نهيتم عن اتباع الهوى لتعدلوا . والكثيرون من المخرجين على تقدير محذوف ، والمعنى على ذلك لا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق إن اتبعتم الهوى ، فإن الهوى من القاضي أو الشاهد يذهب بالحق ويضيعه ، وإن هذا التخريج فيه تقديران :