محمد أبو زهرة
1888
زهرة التفاسير
الناس هملا ، بل أنزل عليهم الكتب السماوية تدعو إلى التفكير في ملكه ، وخلقه ، وتتجه إلى عبادته سبحانه وتعالى وحده وتقواه وحده ، ولذا قال : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ الخطاب في هذا النص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والكتاب المراد به جنس الكتاب ، لا واحده ، أي الذين أوتوا علم النبوة من قبلكم برسل أرسلوا إليهم ، وكتب سجلت أوامر الله تعالى ونواهيه ، وخطاب من الوحي الإلهى نزل إليهم ، وقد دعاهم سبحانه وتعالى كما دعاكم إلى أن تتقوا الله تعالى في كل أعمالكم ، بحيث تتربى مهابته في قلوبكم ، فتذكرونه في كل تصرفاتكم ، فإن وسوست نفوسكم بظلم ذكرتموه فامتنعتم ، وإن همت بفساد ذكرتموه فاعتصمتم ، وإن أصابكم جزع ذكرتموه فاطمأننتم ، وإن أصابكم فاقة ذكرتموه فصبرتم ، وإن أصابتكم بأساء ذكرتموه فارتضيتم ، وإن أصابتكم نعماء ذكرتموه فشكرتم ، فالأمر بالتقوى أمر جامع لكل معاني الإيمان والتوحيد . ولذا أكد سبحانه الأمر بالتقوى بأربعة مؤكدات . أولها - التأكيد باللام وقد ، ف ( قد ) وحدها مؤكدة ، واللام تتضمن معنى القسم فهي مؤكد آخر ، وهذا ما تضمنه قوله تعالى « ولقد » في صدر الكلام . ثانيها - التعبير بقوله - جل جلاله - « وصينا » . فإن التوصية تكون طلبا مشددا لا يقتصر على زمان الأمر ، بل يتعاقب الطلب بتعاقب الأزمان والدهور ، ولا يقتصر على زمان دون زمان ، وهذا يفيد أن الأمر بالتقوى قانون محكم ، لا يعتريه فسخ ولا تغيير مهما تختلف العصور ؛ لأنه لب الأديان . ثالثها - ذكر كتب النبيين السابقين مع خطاب أمة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك الذكر يفيد أن التقوى شريعة السماء . رابعها - التعبير ب « أن » في قوله تعالى جلت قدرته أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ فإنها هي « أن » المفسرة ، أي أنه سبحانه وتعالى يفسر وصيته الخالدة الباقية بأنها شئ واحد ، وهو الأمر بالتقوى ، ومن المقرر في علم البيان العربي أن الإبهام ثم البيان