محمد أبو زهرة
1885
زهرة التفاسير
القوانين فضلا عن نصوص القرآن فإن البداهة تتجه إلى التوفيق ، والتوفيق يبدو بادئ النظر ، وهو أن هذه الآية موضوعها نفسي ، والآية التي في صدر السورة موضوعها العدالة الظاهرة ، وقد وضح هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه ، وهو عجزه عليه الصلاة والسلام عن العدالة النفسية ، وعلى فرض أن التوفيق غير ممكن إن سايرنا تلك المدارك المحدودة ، فإن المتأخر ينسخ المتقدم . والمتأخر هو هذه الآية التي نتكلم في معناها ، وهي تطالب بالعدالة المطلقة ، بل طالبت بالممكن فقال تعالى : فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا . المعلقة هي التي تهمل نفسيا ومعنويا وحبا ومودة ، فلا هي ذات زوج تنال الحقوق الزوجية أو بعضها ، ولا هي خالية الأزواج ، ترجو أن يوفقها الله تعالى وهذا تشبيه بالشئ المعلق بشيء من الأشياء ؛ لأنه لا يكون قد استقر على الأرض ، ولا ما علق عليه تحمله ، أو يستطيع تحمله . وإنه لأجل الوصول إلى هذا الحل الذي لا يكون فيه شطط يجب التدخل لإصلاح ذات البين ، ولذا قال الله تعالى : وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا وهذه هي المرتبة الثانية من الشقاق التي يتعذر فيها على الزوجين أن يقوما بعلاجها ، ولذا يستمد العلاج من المتصلين بهما وهو المنصوص عليه في قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما . . . ( 35 ) [ النساء ] وعند التدخل للإصلاح يجب أن تكون تقوى الله هي التي تحكم الحكمين ولذا قرن الإصلاح بالتقوى ، فإن كان إصلاح القلوب مع تقواها ، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر ما عساه يكون من تجاوز للحد قبل ذلك ، ولذا ختم سبحانه وتعالى هذا الجزء من العلاج بقوله : فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً أي أن غفرانه البالغ ورحمته الواسعة المستمرة المؤكدة يفيضان على المصلحين المتقين ؛ فإن لم يجد هذا كانت المرتبة الأخيرة ، وهي الفراق ، ولذا قال سبحانه :