محمد أبو زهرة

1880

زهرة التفاسير

ونجد النص الكريم يقول : وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ . وهذا التعبير فيه ثلاث إشارات بيانية : أولاها - التعبير بالقيام ، فإن مؤداه أن ينهض الولي على القاصر بعناية واهتمام لرعاية حاله ، وكون الخطاب للجميع لا لخصوص الأوصياء يدل على الوجوب على الأمة بشأن يتاماها ، أو رعايتهم فرض كفاية فهو على الأمة مجتمعة . ثانيها - التعبير باللام في قوله تعالى « لليتامى » أي أن يكون القيام والنهوض لمصلحة اليتامى الحقيقية ، من حيث التربية والتهذيب ، والمحبة من غير تدليل مضعف لقوة النفس والعزيمة والإرادة القوية . ثالثها - أن يكون ملاحظا في ذلك القسط والعدل ، بألا ينقص من ماله شئ ولا يترك هملا إذا لم يكن له مال ، فإذا كانت العدالة المالية توجب ألا ينقص من ماله ، فالعدالة الاجتماعية توجب أن تسد خلته وضعفه . وكانت عناية الإسلام باليتامى ؛ لأنهم قوة للأمة إن صلحوا ، وقوة مدمرة في الأمة إن لم يصلحوا ، إذ إنهم لو قهروا ينشئون وبينهم وبين الناس عداوات مستمرة ، ونفور يدفعهم إلى أن يكونوا مدمرين في الجماعة وعنصر تخريب ، فإن أكثر الخارجين على الجماعة تبتدئ عقدهم النفسية في طفولتهم بالجفوة معهم ، وحرمانهم من المودة والرحمة . وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً . أي خير تفعلونه ، ويكون نافعا لجماعتكم ، مصلحا بينكم ، فإن الله سبحانه وتعالى يكون عليما به علما دقيقا ، لا تخفى عنه فيه خافية ، وفي ذكر هذا النص الكريم بعد الوصايا السابقة إشارة إلى أن هذه الوصايا تنفيذها خير محض ، ونفعها لا شك فيه ولا ريب ، نفعه لمن يفعله لأن عاقبته حسنى له ، وخير للجماعة لأنه يقدم للمجتمع عناصر قوية بانية ، وخير للضعفاء في أنفسهم ، وهو خير عند الله يحتسب به الجزاء الأوفى عنده .