محمد أبو زهرة
1871
زهرة التفاسير
وقد رجح ذلك الوجه ابن جرير الطبري ، وقال في ترجيحه : « وأولى التأويلين بالصواب ما قاله مجاهد ؛ لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض ، وذلك في قوله تعالى : وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ . وقوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ فإلحاق معنى قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ بما جرى ذكره قبل ، أحق وأولى من ادعاء تأويل لا دلالة عليه من التنزيل ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا إجماع من أهل التأويل . وإنما نختار ما اختاره ابن جرير ، لما ساقه من دليل . وقوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ . ما هو الجزاء ؟ أهو الدنيوي أم الأخروى ؟ . قال بعض العلماء إنه الجزاء الدنيوي ، ويستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام - فيما رواه عطاء - لأبى بكر : يا أبا بكر ، إنك تمرض ، وإنك تحزن ، وإنك يصيبك أذى ، فذاك بذاك « 1 » ، وكان هذا تفسيرا للنص . وقال آخرون : إن المراد الجزاء الأخروى ، وهو المناسب للنص ، وللآيات السابقة ، والجزاء القرآني دائما جزاء أخروي ، والحق هو القول الأخير ، أن الجزاء هو الأخروى ، والدنيوي إن كانت حكمة الله تعالى في جزاء دنيوي كالتشريد والذلة ، والهزيمة في الحروب . وقوله تعالى : وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً أي أن الشيطان الذي كان يوسوس لهم يختفى سلطانه ولا يكون له ولاء لهم ، لا يوادهم ولا يحبهم ، ولا يناصرهم ، كما قال تعالى عنه وعنهم يوم القيامة : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ
--> ( 1 ) عن أبي بكر بن أبي زهير ، قال أبو بكر : يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ؟ قال : « يرحمك الله يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن ألست تصيبك اللأواء ؟ » قال : بلى . قال : « فإن ذاك بذاك » . [ رواه أحمد في مسند العشرة : مسند أبى بكر ( 70 ) ] . وروى مسلم في صحيحه : البر والصلة والآداب - ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ( 2574 ) .