محمد أبو زهرة
1867
زهرة التفاسير
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً صور الله سبحانه وتعالى حال إغراء الشيطان بأنه عمل عملين ، لا يكون فيهما أي نفع عاجل أو آجل ، فهو أولا يسرف في وعدهم بمتع لا حد لها ، بأن يصور لهم أن فيما يفعلون من شر متعا كثيرة ، ونفعا كبيرا ، وليس لذلك أي أثر . وثانيهما - أنه يجعل النفس تتمنى ما لا يعقل ويكون بعيد الوقوع . ومن وراء تلك الأماني تنفذ إلى النفس الأوهام فتسيطر عليها . وما كان ذلك الوعد ، وإثارة الأمنيات إلا الغرور والخيبة في ذاتها . أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أولئك الذين يعطون ولايتهم للشيطان ، ويخسرون فطرتهم السليمة ، ونفوسهم المستقيمة ، وعقولهم المدركة ، تحت سلطان الأماني الكاذبة والأوهام الخادعة ، لا يكون لهم مأوى يوم القيامة غير جهنم . ولا يجدون ملجأ دونها يلجئون إليه ، فلا مفر منها ولا مهرب ، وذلك جزاء إضرارهم لفطرتهم وانحرافهم عن الجادة ، ويرميهم بغرور الشيطان ، وإن ذلك يتبعه الأذى لبنى الإنسان ، وتركهم عبادة الديان ، والإعراض عن الحق ، إذا جاءهم به رسل الله تعالى ، وأنهم لا معدل لهم عنها ولا مهرب ، وهذا معنى : وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي معدلا ومهربا ، من حاص يحيص عدل وهرب . ولقد بين الله تعالى في مقابل ذلك جزاء المتقين . فإنه لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ( 122 ) إذا كان الشيطان يعد أولياءه بالأمانى الكاذبة ، ويدفعهم إلى أوهام لا أصل لها ، فالله تعالى قد وعد المؤمنين وعدا حقا ، وإذا كان المشركون قد رأوا مآلهم جهنم لا يجدون عنها معدلا ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات جزاؤهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وأولئك يستحقون هذا ، أولا - بإيمانهم الصادق ، وانفكاكهم عن حبائل الشيطان ، وبعدهم عن غروره وخديعته ، وثانيا - بأعمالهم الطيبة الصالحة المبنية على أسباب