محمد أبو زهرة
1861
زهرة التفاسير
وفيها ما يدل على أن الله يغفر للتائبين المستغفرين الخارجين من نطاق المعصية إلى سعة الفضيلة ، وإن ذلك لا يمنع غفران الله تعالى لمن كانت له معاصي وطاعات ، والمعاصي لم تغلب عليه ولم تفسد نفسه ، بل استمر قلبه مضيئا بنور الإيمان والحق . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً قد يسأل سائل : إذا كانت التوبة تجب ما قبلها ، والإيمان يجب ما قبله ، فإذا انخلع الشرك ، وحلت محله عقيدة الوحدانية ، وغفر الله ما تقدم من الشرك ، كما ورد النص الذي تلوناه ، فلما ذا يفرق بين الشرك وغيره من المعاصي ؟ والجواب عن ذلك أن الشرك إذا سكن النفس واستقر فيها ، كان الخروج منه صعبا وعسيرا ، ولذا قال سبحانه : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً . والضلال هو السير في غير الطريق الموصل ، فالضال في بادية يسير في غير طريق النجاة ، وكلما بعد عن الطريق المستقيم أوغل في الضلال ، والمشرك الذي تدرنت نفسه بالشرك قد ضل عن طريق النجاة ، وكلما استمر في سيره كان مستمرا في الضلال ، فمن يشرك بالله غيره ، فيدعى أن له شريكا في الخلق والتكوين ، أو في الوجود مما يماثله ذاتا أو صفات ، أو يدعى أنه يستحق العبادة معه ، فقد سار في طريق الشر سيرا بعيدا ، ومن ضل سيجد كلما سار أبوابا من الشر ، فمن كان في بحبوحة الإيمان قريب الرجوع ، وتكون له حسنات بجوار السيئات ، فيكون باب الغفران مفتوحا ، أما من أشرك بالله ، فقد كان في معاص مستمرة ، وليس له من الحسنات ما يرجح كفة الميزان ؛ لأن الشرك يقتل الحسنات قتلا ، فلا تقبل فيه طاعة . والشرك هنا هو نقيض الوحدانية ، وهناك شرك خفى ، وهو أنه يرائى في عبادته ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من صلى يرائى فقد أشرك ، ومن صام يرائى فقد أشرك ، ومن تصدق يرائى فقد أشرك » « 1 » ! .
--> ( 1 ) رواه أحمد عن شداد بن أوس ، وقد سبق تخريجه .