محمد أبو زهرة
1852
زهرة التفاسير
وإن جريمة هؤلاء جريمتان : إحداهما ارتكاب الشر والإيغال فيه ، والثانية أنهم يرمون البرآء به ، ولذا قال تعالى : ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً . وإن هذه الجريمة تتضمن هي الأخرى في ثناياها جريمتين : إحداهما - البهتان ، وهو الكذب الذي لا يتصور عند أهل الخير وقوعه ، والثانية - إثم واضح ، وهو إلقاء التبعة على الغير ، إذ إنه كذب حير البريء وأذهله . وإن هؤلاء ، مع هذه الذنوب التي يرتكبونها ، منافقون يظهرون غير ما يبطنون ، وهم شر الجماعة الذين يسعون بالفساد في الأرض ، وأن السعاية التي يرتكبونها بنفاقهم توجب قطعهم عن الأمة ، ولقد أوجب بعض الفقهاء عقابهم . وإن هؤلاء يفسدون الحكام على شعوبهم ، ويسعون في الأرض فسادا بجرمهم ، وإن الله يحذر نبيه من أمثالهم ، وهو قدوة حسنة لكل الحكام . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ الضمير في قوله تعالى : لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يعود على ما يفهم ضمنا من حال هؤلاء الذين أركست نفوسهم في الخطايا ، حتى أصبحوا يقدمون عليها من غير قصد خاص إليها ، كأن ذلك حال من أحوالهم ، فهم منافقون يبتغون الفتنة في الذين آمنوا ، وأول فتنة وأقوى فتنة هي التي تجىء في الحكام ، فتبعد ما بينهم وبين الأخيار من الأمة ، ويتقرب بها الأشرار الذين يرتكبون الشر ، ويرمون به الأبرياء . ومعنى النص الكريم : إن أولئك المنافقين العصاة جريئون على رمى الأبرياء وتضليل الحكام . ولولا أن الله تعالى من عليك بفضله العميم ، ورحمته الواسعة ، لهمت طائفة منهم أن يجعلوك في ضلال بالنسبة لمن تحكمهم وتهديهم ، فهم لم يهموا بذلك ؛ لأنهم يعلمون فضل الله تعالى عليه بالوحي الذي يبين له الحق ، ورحمته الواسعة التي يمن بها عليه وعلى قومه ، فلا يكون منهم ما يعنتهم ، كما قال تعالى في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام : . . . عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 )