محمد أبو زهرة
1693
زهرة التفاسير
إن تفسير عابر السبيل بالمسافر هو على منهاج من يفسر لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بقربها هي . وأما من قال إن المراد من قرب الصلاة قرب موضعها ، المتضمن النهى عنها ، فإنه يكون معنى عابر السبيل الذي يمر من المسجد لحاجة ، فإن الجنب محرم عليه دخول المسجد إلا أن يكون عابر طريق فيه لحاجة ، ولا يمكنه الوصول إلى حاجته إلا إذا مر من المسجد . وقد مر أن النهى عن قرب مكان الصلاة وهو جنب نهى ضمني عن الصلاة ذاتها ، ولذا أشرنا باختياره ، ولقد روى أن عائشة رضي الله عنها قالت : « جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال : « وجهوا هذه البيوت عن المسجد » « 1 » ، فقبل توجيه البيوت كان بعض الذين بيوتهم تجاور المسجد لا ينفذون إلى الطريق إلا منه ، وبعض فقراء الصحابة كانوا يقيمون في المسجد ، ولهذا استثنى عابر السبيل منه لحاجته ، لكيلا يكون على المؤمن حرج . وقوله تعالى : حَتَّى تَغْتَسِلُوا بيان لغاية المنع بالنسبة للجنب ، فكما أن المنع بالنسبة لمن هو في حال سكر هو أن يعلم ما يقول ، فكذلك النهى لمن هو في حال جنابة نهايته هو الاغتسال . والاغتسال تعميم الجسم كله بالماء ، وإن الاغتسال بعد الجنابة طهارة حسية ، ونفسية ، وتعويض بدني ، وإنعاش للأعصاب بعد أن أنهكت أو أجهدت . وإن الطهارة النفسية بالاغتسال لما في الاغتسال والاستعداد به للصلاة من تذكر لله تعالى وقت أن استحكمت الشهوة وتحكمت ونفذت ، فتخلص نفسه من المادية التي كانت فيها وسيطرت عليها ، وإذا تذكر الله طلب الولد والنسل والذرية الطيبة من زوجه الطاهرة . وأما الإنعاش للأعصاب ، والتعويض البدني ، فإن هذين الأمرين يؤيدهما الحس والتجربة ، ولا ينكرهما الطب . وإن بعض الناس يكون مريضا يشق عليه استعمال الماء ، أو يكون على سفر يشق عليه الحصول على الماء ، ولذلك شرع له التيمم ، وهو طهارة روحية فقط ، إذا عجز عن الطهارة الحسية بالماء ، ولذا قال سبحانه :
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 232 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 4356 ) ، وفي صحيح ابن خزيمة ( 1327 ) ، وفي مسند إسحاق بن راهويه ( 1780 ) عن عائشة رضي الله عنها .