محمد أبو زهرة
1842
زهرة التفاسير
والجدال في أصل معناه اللغوي مشتق من الجدل بمعنى الفتل ، أي تقوية الحجة ، ويكون المجادل كمن يفتل الحبل ويقويه . وقيل إنه مأخوذ من الجدالة ، والجدالة هي الأرض ، فكل واحد من الخصمين يكون كالمصارع يريد أن يلقى صاحبه على الأرض . وإطلاق الجدالة على الأرض منه قولهم : تركته مجدلا ، أي مطروحا على الأرض . والاختيان ، الذي هو مصدر يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، يعرفه الأصفهاني في مفرداته بأنه : « تحرك شهوة الإنسان لتحرى الخيانة » ؛ وتحرك الشهوة لتحرى الخيانة قصد إليها وتعمد لها ، وعمل على إحكامها . والخيانة والنفاق باب واحد ، موضعهما من النفس واحد . ومعنى قوله تعالى : الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ : الذين يقصدون خيانة أنفسهم ، ويتحرونها ، ويحكمون إخفاء المستور من جرائمهم . وأضيفت الخيانة للنفس ؛ لأن الذين يصنعون ذلك إنما يحدثون في الأمة ذعرا عاما ، يعود ضرره على الجماعة ، ويعود عليهم أنفسهم ، إذ يعيشون في جماعة قد فسد أمرها ، وارتابت في شؤونها ، وضل عن الناس معرفة الحق ، وغاب عنهم لبه ! ! وكذلك لأن تلك الخيانة مغبتها على أنفسهم شديدة أمام الله تعالى ، وسيحاسبهم عليها من لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، ولأن هؤلاء الخائنين الذين يتحرون الخيانة ، إنما يحلون فطرهم السليمة عن الفطرة التي فطرهم الله عليها ، فيصيب الفساد نفوسهم ، وتنحل كل العرا فيها ، وبذلك تضطرب ، وتكون في بلبال مستمر : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً إذا كان الخائنون الذين تحروا الخيانة وقصدوها ، وانحرفوا بفطرهم عن أصلها ، ينالون العذاب في الدنيا بالحكم عليهم ، وإعراض أهل الفضل عن معاونتهم ، فإنهم لا ينالون حب الله تعالى ، والمعنى الظاهر للنص : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً هو أن الله تعالى العلى الحكيم ، الذي لا ترجى محبة سواه ، لا يحب من كانت الخيانة وصفا