محمد أبو زهرة
1829
زهرة التفاسير
ذكر سبحانه وتعالى ما سهل به على المسافر من قصر الصلاة . وفي هذا النص الكريم بين سبحانه حال الصلاة إذا كان المسافر في حال جهاد ، وهو ما يسمى في عرف الفقهاء بصلاة الخوف ، أي الصلاة التي تكون في حال الخوف من العدو ، بأن يكونوا في حال حرب معه . فالمراد بالخوف هو الحذر من مباغتة العدو . ولذا قال سبحانه : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ هذا النص الكريم فيه بيان الصلاة حال القتال ، بأن يجمع المؤمنون بين الصلاة التي بها تطهير القلوب من كل الأدناس والأرجاس وبين الاستعداد للقاء العدو ، والحذر منه . ومعنى النص السامي : إذا كنت أيها الرسول في المؤمنين ، فأردت إقامة الصلاة على وجهها في هذا المقام ، فلتقم طائفة منهم معك ، بأن تبتدئ بالصلاة معها ، على أن يكون معها السلاح ، وهي في حال الصلاة ، حتى يكونوا على أهبة القتال دائما . وحمل السلاح في الصلاة لا يبطلها ، ولا يؤثر في حال الخشوع ، وخصوصا إذا كان حمل السلاح لإعلاء كلمة الله تعالى وخفض الباطل ، فهو عبادة من أعظم العبادات ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم المؤمنين المجاهدين صفين ، صفا يبتدئ بالصلاة معه ، فإذا سجدوا للصلاة وقد ألقوا وجوههم على الأرض ، لا يرون شيئا ولا يستحضرون إلا عظمة الله تعالى ، فإن الصف الثاني يكون من وراء هؤلاء ، يدفع عنهم أذى الكفار ، والاعتداء على أهل الحق والايمان ، وهذا معنى قوله تعالى : فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ، أي فليكن الصف الآخر ، أو الطائفة الأخرى من ورائكم ، حامية لظهوركم ، مانعة نزول الأذى بكم ، ومن بعد ذلك تجىء الطائفة الحارسة ، وتكون من بعد ذلك في محل المصلية ، وتذهب الأخرى حارسة ، وهذا قوله تعالى : وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ .