محمد أبو زهرة
1818
زهرة التفاسير
بهم سوادهم ، وكانوا يخرجونهم معهم في القتال ، فيصيبهم المسلمون بسهامهم أو سيوفهم . ومهما يكن سبب النزول ، فالعبرة بعموم اللفظ ، لا بخصوص السبب ، فإن كل مؤمن يعيش في أرض يستذل فيها ، أو لا يستطيع إقامة حق دينه فيها ، أو يعامل بغير الأحكام الإسلامية يكون من الواجب عليه أن يهاجر إلى الأرض التي يكثر فيها سواد المسلمين . وقد فهم هذا المعنى العام « الزمخشري » ، فقد قال في ذلك : ( وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب ، لبعض الأسباب ، والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر ، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى ، وأدوم على العبادة ، حقت عليه المهاجرة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « من فر بدينه من أرض إلى أرض ، وإن كان شبرا من الأرض ، استوجب الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ، ونبيه محمد » ) « 1 » ، وقد ذكر الزمخشري أنه فعل ذلك صلى الله عليه وسلم إذ جاور بيت الله الحرام ، وقال جار الله الزمخشري داعيا ربه : ( اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني ، فاجعلها سببا في خاتمة الخير ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمتك ، وصل جواري لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة ) « 2 » . هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالإقامة في دار لا تحكم بالإسلام ، ولا يكون فيها قوة لأهل الحق - تسألهم الملائكة يوم القيامة ، فيقولون لهم : فِيمَ كُنْتُمْ ، ويقول الزمخشري إن المعنى : في أي شئ كنتم من أمر دينكم ؟ والسؤال للتوبيخ ، ومؤداه إنكم لم تكونوا مستطيعين إقامة شؤون دينكم ، فكيف ترضون بذلك ؟ وعندي أن معنى النص : فِيمَ كُنْتُمْ ؟ في أي حال كنتم ؟ أكنتم في عزة أم في ذلة ؟ وكيف ترضون لأنفسكم الهوان ، ولدينكم الدنية ؟ . والاستفهام للتوبيخ أيضا كما قرر الزمخشري .
--> ( 1 ) أخرجه الثعلبي من طريق الحسن مرسلا ، وقد ذكر ذلك الآلوسي ج 5 ، ص 125 . ( 2 ) ذكره الزمخشري ج 1 ص 556 من الكشاف .