محمد أبو زهرة
1815
زهرة التفاسير
هؤلاء عملي إيجابي ، وموقف ذوى الأضرار سلبى ، وهم يعرضون أنفسهم للتلف ، وأولئك لم يتعرضوا له ، ويقدمون النفيس من المال ، وأولئك لم يقدموه ، ومع ذلك فإن الله تعالى وعد كلا من الفريقين الحسنى ، أي العاقبة الحسنة ، حيث لا يكون ثمة عقاب يوم القيامة ، بل يكون النعيم المقيم لهما معا . والله تعالى يثيب المرء بمقدار نيته ، وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - : « إن بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا كانوا معكم ، أولئك قوم حبسهم العذر » « 1 » ، وقد كان النبي يقيم عبد الله ابن أم مكتوم على المدينة ، وهو أعمى ، لكي ينتفع بكل القوى ، وليكون لذوي الأعذار فضل العمل . وإن تفضيل الدرجة على القاعدين ذوى الضرر لكي يسير القادر ولو نسبيا ، فلا يقعد لضرر وهمى ، أو عذر غير قهري ، فكثير من الناس يتوهمون أعذارا ، حيث لا عذر . هذا فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ذوى الضرر ، وقد رحم الله الضعفاء ، فجعل لهم الحسنى كالمجاهدين ، وإن كانوا دونهم فضلا ، أما الذين قعدوا من غير عذر ، فقد بين سبحانه فضل المجاهدين عليهم بأنه درجات ، فقال سبحانه : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً . كان التفضيل الأول بالدرجة الواحدة ، وذلك النص في تفضيل الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من غير ضرر . فالمجاهدون بأموالهم وأنفسهم مفضلون عليهم بأجر عظيم ، وأنى يكون من قعد بين أهله آمنا في سربه ، كمن ارتكب المشقة وترك الأهل والولد ! .
--> ( 1 ) رواه البخاري : المغازي - نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر ( 4423 ) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، كما رواه مسلم وغيره عن جابر رضي الله عنه بلفظ مقارب ، ولفظ مسلم : الإمارة - ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر ( 1911 ) عن جابر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : « إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض » وفي رواية : « إلا شركوكم في الأجر » .